د. أيمن منصور ندا يكتب:أن تكون ضياء رشوان
حين تتحول الأزمات إلى اجتماعات وحوارات وتوصيات

هناك نكتة روسية سياسية قديمة عن قطار توقف في منتصف الطريق، فعجز الجميع عن تحريكه.. اقترح بعضهم إصلاح المحرك، واقترح آخرون تغيير السائق، بينما وجد أحد المسؤولين حلاً أكثر عبقرية: أغلقوا الستائر، واطلبوا من الركاب أن يهتزوا في مقاعدهم، ثم أعلنوا أن القطار يتحرك! تذكرتُ هذه النكتة وأنا أتابع “الكاتب الصحفي” ضياء رشوان، في رسالته إلى “أصحاب المعالي زميلاتي وزملائي الكرام الصحفيين والإعلاميين” في 20 أغسطس، ودعوتهم إلى “فضفضة ضرورية”؛ فالرجل لا يطلب منهم أن يهتزوا، فهذه طريقة فجة لا تليق بخبرته ولا بقدرهم، لكنه يدعوهم إلى حوار حول أسباب التوقف، ويشكل لجنة، ويستمع إلى كل الآراء، ثم يصدر توصيات لتحسين كفاءة الرحلة.. وفي النهاية يظل قطار الإعلام مكانه، لكنَّ الجميع يغادرون الاجتماع أكثر فهماً لأسباب عدم تحركه!
والحقيقة أنَّ ضياء رشوان يتعرض منذ سنوات لظلم كبير، وأظن أنَّ الوقت قد حان لإنصاف الرجل؛ إذ يلومه البعض لأنه لا ينجز، ويسأله آخرون بقسوة: ماذا فعلت؟ ماذا تغير؟ وماذا بقي بعد أن انفضت المؤتمرات، وانتهت الحوارات، وطويت أوراق التوصيات؟ أسئلة تبدو منطقية، لكنها تنطلق من افتراض قد يكون خاطئاً من أساسه: أنَّ وظيفة ضياء رشوان هي الإنجاز. نحن نحاسبه باعتباره رجل نتائج، بينما يبدو أنَّ السلطة تختاره باعتباره رجل عمليات؛ والفرق بين الاثنين هو تقريباً الفرق بين الوصول إلى المحطة وإدارة الرحلة إليها..
رشوان، بهذا المعنى، أقرب إلى “كمساري الأتوبيس”، كثير الحركة، يعرف الركاب، ويجيد المرور بينهم مهما ضاق الممر، وصوته حاضر(تذاكر.. تذاكر)، والعربة كلها تشعر بوجوده؛ لكنه في النهاية ليس السائق؛ لا يمسك بالدركسيون، ولا يحدد الطريق، ولا يملك وحده قرار التوقف أو تغيير الاتجاه.. ولذلك فإنَّ الذين يلومونه لأنَّه لم يغير خط السير يظلمون الرجل؛ فالكمساري لا يُسأل لماذا لم يصل الأتوبيس، وإنما يُسأل هل ظل الركاب داخله ولم يتخانقوا في الطريق، وهل دفعوا ثمن التذكرة!
وهنا تتحول النكتة إلى علم؛ ففي أدبيات التنظيم والشبكات هناك ما يسمى Boundary Spanner أو Broker؛ الوسيط الذي يعيش على الحدود بين عوالم لا تثق تماماً بعضها في بعض، وتنبع قيمته من قدرته على ترجمة لغة كل طرف للآخر، وتقليل الاحتكاك، وتحويل الصراع من مواجهة مفتوحة إلى مسار يمكن إدارته.. وإذا أردنا اسماً مصرياً مجسداً لهذه الوظيفة، فلا أعرف نموذجاً أوضح من ضياء رشوان (مع حفظ الألقاب).. والسؤال إذاً ليس لماذا أصبح باحثاً، ورئيساً لمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، ونقيباً للصحفيين، ورئيساً لهيئة الاستعلامات، ومنسقاً للحوار الوطني، ثم وزيراً للدولة للإعلام؛ بل: لماذا كلما احتاجت السلطة إلى رجل يقف بينها وبين جماعة أخرى عثرت على ضياء رشوان؟!
لا بدَّ أنَّ الرجل يبيع شيئاً تحتاجه الدولة؛ وإلا لما أعادت شراءه كل مرة في عبوة وظيفية جديدة.. وهو لا يبيعها التأييد؛ فالمؤيدون في مصر أكثر من الهم على القلب، ولا التطبيل؛ فمصانعه تعمل بثلاث ورديات، ولا تبدو بضاعته الأساسية الأفكار الكبرى؛ فرغم تاريخه البحثي ورئاسته أحد أهم مراكز التفكير في المنطقة، يصعب ربط اسمه بمشروع فكري صنع مدرسة أو كتاب تأسيسي التصق باسمه. وحتى سنواته إلى جوار عمرو أديب في “القاهرة اليوم” لم تترك له إرثاً تليفزيونياً يوازي طول الحضور؛ وربما لأنَّ رشوان لا يحتاج إلى أن يكون بطل الصورة، يكفيه أن يكون الرجل الذي يحتاجه البطل حين تتعقد الصورة..
ما يبيعه رشوان أكثر ندرة وأعلى ثمناً: يبيع السلطة “المسافة” بينه وبينها؛ فهو قريب منها بما يكفي لكي تأمنه، وبعيد عنها في الصورة بما يكفي لكي تستخدمه.. صحفي يستطيع أن يقول “زملائي”، وباحث يرتدي لغة الخبير، ونقيب سابق يحمل شيئاً من شرعية المهنة، ورئيس استعلامات يعرف قاموس الدولة، ومنسق حوار يستطيع الجلوس مع المختلفين، ووزير يستطيع عند الضرورة أن يخلع الوزارة لغوياً ويعود “زميلاً قديماً”.. ضياء رشوان مقبول بما يكفي خارج السلطة ليكون مفيداً لها، ومأمون بما يكفي داخلها لكي تسمح له بالخروج منها.. هو لا يقف في المنتصف لأنَّه محايد؛ ولكن لأنَّ المنتصف هو موقعه الوظيفي..
ولهذا يختلف عن بكري والديهي والحسيني.. بكري حين يدخل الغرفة تكون السلطة قد دخلت قبله، والديهي قد يحتاج الاجتماع بعد خمس دقائق إلى وسيط بينه وبين الوسيط، والحسيني فقد مع طول الاصطفاف جانباً من المسافة الضرورية لهذه الوظيفة.. أما رشوان فموهبته الأصلية هي المنطقة الرمادية.. وهنا تصبح كلمة “حوارات” نفسها هدية من العامية المصرية لنا: ففي الفصحى هي النقاش وتبادل الرأي، أما “بتاع حوارات” في القاموس الشعبي المصري فليس عادةً بطلاً في الديمقراطية؛ بل صاحب لف ودوران و”شغل” على من أمامه، ومن هنا “إنت بتحوّر عليّا؟”.. وهكذا يصبح رشوان رجل حوارات بالمعنيين: الرسمي الذي يملأ القاعات، والمصري الذي يملأ الوقت..ويبقى السؤال معلقاً: هل الحوار عنده حوار… أم تحوير؟!
والتعبير الأدق عن هذه الوظيفة، في رأيي، هو “ممتص الصدمات السياسي”.. ممتص الصدمات لا يصلح الطريق ولا يردم الحفر أمام السيارة؛ وظيفته أن يجعل المرور فوقها أكثر احتمالاً.. وهكذا يعمل رشوان: أزمة؟ حوار.. غضب؟ اجتماع.. انتقادات أجنبية؟ بيان.. مطالب؟ توصيات.. توصيات لم تنفذ؟ آلية متابعة.. وإذا تعطلت الآلية، يمكن دائماً عقد اجتماع لمناقشة آليات تفعيلها.. تدخل الأزمة عند ضياء رشوان وهي أزمة، وتخرج من مكتبه بنداً في جدول أعمال.. وبهذا، فإنَّ رشوان لا يحل الأزمة بالضرورة؛ يغيّر عنوانها في الأجندة..
وهذه ليست سخرية فقط؛ بل هي الخدمة الحقيقية التي يقدمها للسلطة.. هو لا يقمع الضغط؛ يمتصه.. لا يُسكِت المختلف؛ يدعوه إلى الكلام في المكان والوقت والصيغة المناسبة.. لا يغلق الباب؛ يفتح أمامه غرفة انتظار محترمة.. وأخطر لحظة لأي نظام ليست أن يجلس المختلف أمامه ويعترض، بل أن يقتنع بأنَّ الاعتراض لا جدوى منه فيغادر الطاولة.. وظيفة رشوان أن يؤجل لحظة المغادرة، وأن يمنح المختلف سبباً إضافياً للبقاء.. إنه يمنح السلطة صورة الاستماع من دون أن تكون مضطرة دائماً إلى دفع ثمن الاستجابة.. وهذه وظيفة شديدة الأهمية لمن يريد أن يبقى الباب مغلقاً من دون أن يسمع الناس صوت ارتطامه..
ولهذا كان الحوار الوطني البيئة الطبيعية للرجل: محاور، ولجان، ومقررون، وجلسات، ومخرجات.. الحوار يلد لجنة، واللجنة تلد توصية، والتوصية تحتاج مؤتمراً، والمؤتمر يفتح حواراً حول آليات تنفيذ مخرجاته..وتبدأ المشكلة حين يأكل المسار الغاية؛ نتحاور لكي نصل إلى قرار، ثم يصبح نجاح الحوار هو الإنجاز.. نكتب توصيات لكي تنفذ، ثم ننشغل بعددها وآليات متابعتها.. لا يملك رشوان القرار؛ منتجه الأساسي هو الطريق إلى القرار، والمشكلة أن الطريق عنده يتمتع أحياناً بحياة أطول من القرار نفسه.. عنده كثيراً ما تكون الرحلة ناجحة جداً بصرف النظر عن الوصول..
حتى نقابة الصحفيين قدمت كاريكاتيراً معمارياً لهذه المدرسة.. ظلت السقالات سنوات تغطي المبنى حتى شاع بين الصحفيين تعبير “تكفين النقابة”! رشوان لم يبدأ وضعها، وهناك تفسيرات فنية رسمية لاستمرارها، لكنه أمضى جانباً كبيراً من فترتيه الأخيرتين والنقابة تحت الكفن، بينما أصبح المشهد في أوساط صحفية رمزاً للركود وغياب النشاط.. كانت الصورة أبلغ من الخطب: نقابة موجودة، وسلم موجود، وصحفيون موجودون، لكنَّ الجميع ينتظر انتهاء أعمال الترميم.. لا شيء أُغلق نهائياً، ولا شيء فُتح تماماً؛ فقط نرجو من حضراتكم الانتظار..
وفي هيئة الاستعلامات ظل يرد على الصحافة الأجنبية ويشكو من تجاهلها إنجازات مصر! صحيح أن صورة الدولة تصنعها سياساتها ووقائعها قبل بياناتها، ولذلك لا يجوز تحميل الرجل مسئولية الصورة كلها؛ لكنَّ السؤال يبقى مشروعاً: إذا كانت مهمتك أن تجعل الخارج يفهمنا، وبعد سنوات ما زلت تقول إنَّه لا يفهمنا، فهل يكفي أن نشرح أننا نشرح جيداً؟ مرة أخرى، يستطيع رشوان إدارة الضرر أكثر مما يستطيع إزالة أسبابه؛ وهذا بالتحديد عمل ممتص الصدمات..
ثم جاءت وزارة الدولة للإعلام، وكأنَّ الوظيفة الخفية عثرت أخيراً على اسم رسمي.. أعلن رشوان منذ البداية أنَّ الوزارة ليست جهة تنفيذية، وإنما تنسق وتتفاعل وتشرح.. يا لها من مصادفة مثالية: الرجل الذي تخصص في المسافة السابقة على التنفيذ وجد أخيراً منصباً وزارياً غير تنفيذي.. ثم جاءت رسالة الأمس (20 أغسطس) لتختصر شخصيته كلها في جملة: أصدر الوزير نداءً للصحفيين، ثم قال إنَّ ما سيأتي مجرد “فضفضة” من زميل قديم “لا تقترن بأي حال بموقعه الحالي وزيراً للدولة للإعلام”! أي أنَّ الوزير استخدم موقع الوزير لكي يبلغنا أنَّ كلامه لا علاقة له بأنَّه وزير! يريد سلطة الوزير وبراءة الزميل في الجملة نفسها!
ثم “فضفض” قائلاً للصحافة: افتحوا المجال للرأي الآخر، نشطوا الحياة الحزبية، أعطوا المواطن مساحة، اهتموا بالثقافة، حافظوا على المهنية.. نصائح عظيمة، لكن حين يتحول المسئول عن إصلاح المجال إلى واعظ للمجال كي يصلح نفسه، نكون قد انتقلنا من أداة الفعل إلى بلاغة الدعوة إلى الفعل.. المشهد مثل وزير نقل يقف وسط الزحام ويصيح في السيارات: يا جماعة، حاولوا تمشوا! وحين تعالج أزمة مؤسسية بالنصيحة الأخلاقية يصبح العلاج شبيهاً بوصفة لمريض الربو تقول له: حاول أن تتنفس بصورة أفضل..
وطبعاً هناك مؤتمر الإعلام في ديسمبر، وسنخرج منه ، لا تقلق ، بتوصيات.. لدينا بالفعل نحو 135 توصية من الحوار الوطني، و105 توصيات من لجنة تطوير الإعلام؛ أي قرابة 240 توصية قبل أن يبدأ المؤتمر الجديد.. نُفذ بعض منها، فلا نظلم أحداً ونقول إن شيئاً لم ينفذ؛ لكننا أثبتنا بلا شك قدرة لافتة على إنتاج التوصية أسرع من استهلاكها.. وإذا استمرت معدلات الإنتاج فقد نحتاج إلى هيئة عامة لتصريف فائض التوصيات، أو مؤتمر بعنوان “مستقبل صناعة التوصية المصرية وسبل تعظيم الاستفادة منها”، ينتهي ، وهذا مجرد تخمين، إلى مزيد من التوصيات.. ليس المطلوب توصية رقم 241 بقدر ما هو معرفة مصير المائتين والأربعين السابقة..
وهنا نصل إلى موهبة أخرى لرشوان: الرجل “بياع” شاطر.. ويقال إن الشخص الوحيد القادر على إسعاد الجميع هو بائع الآيس كريم؛ ورشوان لديه نكهة للحكومة، وأخرى للمعارضة، وثالثة للصحفيين، ورابعة للحوار الوطني.. المهم ألا يخرج أحد من الدكان غاضباً، حتى لو عاد إلى البيت غير متأكد مما اشتراه بالضبط.. وبضاعته لا تنفد: “الحوار”، “التوافق”، “المساحات المشتركة”، “المخرجات”، “التوصيات”.. يمكنك أن تبيع منها طوال اليوم، ثم تفتح المخزن صباحاً فتجده ممتلئاً كما كان.. اقتصاد كامل يقوم على سلعة لا تنقص بالاستهلاك..
وهو بائع يعرف أيضاً متى يفتح الدكان، وماذا يضع في الواجهة، ولمن يبتسم، والأهم: متى يعيد ترتيب الواجهة.. فالمشروع الأكثر استمرارية في مسيرته ليس مركزاً ولا نقابةً ولا هيئةً ولا حواراً؛ بل مشروع ضياء رشوان نفسه.. قد يختلف الناس حول المشروع الذي تركه في كل مؤسسة، لكنَّ المشروع الوحيد الذي ظل واضح الملامح، مستمراً في التطوير وإعادة التموضع، هو صاحبه.. قد يختلف الجميع حول اتجاه السفينة وكفاءة محركاتها، لكنَّ الرجل أثبت على الأقل قدرةً لافتةً على معرفة موقعه فوق سطحها..
وهذا لا يعني أن حصيلته في مسيرته الطويلة هي “صفر مونديالي”؛ بالعكس، ربما ظلمناه حين بحثنا عنها في الدفتر الخطأ.. الدولة لا تشتري منه الحل فقط؛ تشتري الهدوء، والوصول إلى النخبة، وترجمة خطابها إلى لغة أقل خشونة، وإبقاء المختلفين حول الطاولة، وشراء الوقت.. الدولة لا تشتري صوته فقط؛ تشتري قدرته على جعل صوتها يبدو صادراً من مسافة أبعد عنها.. وقد تكون أسباب نجاح رشوان الشخصي هي نفسها أسباب محدودية أثره العام: من لا يصطدم يكمل الطريق، ومن يعرف السقف لا يخبط رأسه فيه، ومن يقول لكل طرف ما يكفي لإبقائه جالساً تظل الطاولات في حاجة إليه..
وهكذا نفهم المفارقة: نحن نقيس نجاحه بما تغير بعد الحوار، بينما قد تقيسه السلطة بما لم ينفجر أثناءه.. نحن نسأل: أين القرار؟ وهي تسأل: هل ظلوا جالسين؟ نحن نبحث عن المحصول، والرجل متخصص في إدارة الطقس.. وربما لهذا لا يكون السؤال الأدق: لماذا لم ينجز ضياء رشوان؟ بل: لماذا نصر على قياسه أصلاً بمسطرة الإنجاز، بينما السلعة التي يُطلب منه تقديمها هي إدارة الانتظار؟!
كان عبد الحليم يغني “وأتاريني ماسك الهوا بإيديا، ماسك الهوا”.. أما مدرسة رشوان فقد طورت الفكرة إدارياً: نمسك الهواء، وندعو الأطراف المعنية إلى مناقشة خصائصه، ونشكل لجنة لتحديد اتجاهه، ونصدر توصيات لضمان وصوله إلى الجميع، ثم نعقد مؤتمراً لمتابعة ما تم تنفيذه في ملف الهواء.. وإذا سألت بعدها: أين الهواء؟ فقد أسأت فهم الوظيفة.. أن تكون ضياء رشوان هو أن تقدم للسلطة، بدلاً من الحل أحياناً، طريقة محترمة وهادئة ومنظمة لإدارة انتظاره..
وعندها نعود إلى القطار الذي بدأنا به: المحرك لم يُصلح، والقطار لم يتحرك، لكنَّ الستائر أُغلقت بإحكام، والركاب ما زالوا يهتزّون في مقاعدهم، وهناك، بكل تأكيد، اجتماع قريب لمناقشة أسباب تأخر الوصول.. وتظل نكتة ضياء رشوان الأثيرة أفضل تلخيص للمشهد كله: “بصراحة، إحنا معندناش فراخ، بس إيه رأيك في النظام؟”.