
ـــــــ القنابل التي سقطت فوق برلين سقطت فوق اللغة والسرير والصداقة والمسرح* اريك ماريا ريمارك، مؤلف: للحب وقت، وللموت وقت.
على رأس من سقطت أطنان القنابل في حروب العراق؟ في كل دول العالم عندما تهتز اليقينيات السائدة وأسس الحياة، وتنكشف الخدع الكبرى يقوم مفكرون وأدباء وفنانون بثورتهم الثقافية، اي اعادة النظر في المسلمات وفي الحقائق الجاهزة.
في أخبار اليوم:” فرضت السلطات في أرخبيل سفالبارد النرويجي غرامة قدرها 50 ألف كرونة نرويجية (نحو 4,550 يورو) على شخص استخدم بوق سفينة لإيقاظ دب قطبي كان نائماً على الشاطئ. اعتبرت السلطات هذا التصرف إزعاجاً متعَمداً لحيوان محمي ومخالفة صريحة لقواعد حماية البيئة”.
اذا كان ايقاظ دب من النوم سبّب له الازعاج وتطلب تدخل القانون، فكيف نفهم ان أمة كاملة تضرب بكل أنواع القنابل العنقودية والانشطارية والذكية والمنتهية الصلاحية وحتى قنابل ذرية موضعية وتحت عنوان مكافحة الارهاب والسلام ولم تستيقظ؟ ايقاظ دب من النوم جريمة، وضرب أمة بكل أنواع القنابل والحصارات وخلق منظمات ارهابية فيها من اجل القانون الدولي بل لأجل السلام.
من صفات الدب القطبي النوم لشهور في الثلج بتغذية داخلية حتى فصل الربيع، عكس العالم العربي الذي ينام قروناً واذا استيقظ لكي ينام. ليس الدب القطبي وحده محمياً بقانون بل جميع الحيوانات بما في ذلك الافاعي التي يمنع القانون قتلها.
يُضرب العرب عبر قرون بكل أنواع الأعاصير والزلازل الحربية والأوبئة والفيضانات والعواصف والهزات الاجتماعية، لكن لا شيء تغير كما لو أن الكوارث كغيوم تنزلق فوق مقبرة بل العكس يريدون العودة الى الماضي ومن حسن الحظ ان عربة ألبرت آينشتاين الأسرع من الضوء لم تخترع بعد لتعود بهم الى الماضي.
أسوأ ما يمكن أن تسمعه من شخص أن يقول لك لا تشغل بالك بالتفاصيل،
وخليك هادئ البال وهي دعوة للبلادة لأن الحياة مجموعة تفاصيل.
ألف زلزال في العراق مثل زلزال كوبي الياباني لن يغير فكرة أو قناعة،
بل العكس يفجر كل الأساطير والخرافات النائمة.
كان كل شيء ساكناً الساعة 5:45 صباح 17 كانون الثاني عام 1995 في بلدة كوبي اليابانية، لكن بعد أقل من دقيقة تغير شكل اليابان بصورة حاسمة، زلزال مدمر ضرب البلدة وعصف بها وبجسورها،
وعماراتها المقاومة للزلازل وتبعه عصف مائي وامطار وموت أكثر من 6 آلاف وصار ارتفاع المياة يصل للطابق الخامس.
قيامة كبرى. كشف الزلزال عن الوجه الآخر للحياة: سرعة انكسار وهشاشة الحياة وخداع المظاهر. نحن لسنا على أرض صلبة. فجأة ينهار السياق ويتحطم التسلسل.
الصدمة عندما تنقطع السلسلة ويتحطم السكون ويتوقف الايقاع. كتب الروائي الياباني هاروكي موراكامي قصصه: ” ما بعد الزلزال” عن عشر ثوان غيرت اليابان وليست عشرات القرون بكل أنواع العواصف الحربية والسياسية والطبيعية والكوارث المرضية والأوبئة والادوية المنتهية الصلاحيات ونظم وحشية وسجون ومشانق وخراب.
توقعت بعد الاحتلال ولادة مدارس أدبية وروائية وفنية وفكرية كرد فعل على الزلزال وهو أمر حدث لشعوب كثيرة، فرنسا واليابان وألمانيا وروسيا وأمريكا بعد الحروب كجيل البت الامريكي التمردي وغيره.
أنتجت الحرب العالمية الاولى جيل الضياع الامريكي وهي التسمية التي اطلقتها الروائية جيرترود شتاين: جيل فوكنر وهمنغواي وشتاينبك وسكوت فتزجرالد وهنري ميللر وغيرهم.
في حين انتجت الحرب العالمية الثانية “جيل البت Beat Generation ” التمردي كالشاعر الن غينسبرغ والروائي وليام بوروز ـ الروائي المنبوذ من الطبقات المترفة ونخب الاناقة والقبول مؤلف رواية” الغداء العاري” وكتبها في طنجة خلال اقامته ومنعت في أمريكا وحوكم عليها،
والروائي جاك كرواك وهؤلاء عاشوا في طنجة المغربية ومكانهم المفضل مقهى” الحافة” المطل على البحر الابيض المتوسط مع كثير من كتاب العالم مثل جان جينيه الذي أوصى بدفنه في مدينة العرائش وصموئيل بيكت مؤلف مسرحية في انتظار غودو، والروائي بول باولز الذي قضى نصف قرن في طنجة مع زوجته الكاتبة جين آور وتعلم العامية المغربية وهو مترجم رواية محمد شكري الى الانكليزية” الخبز الحافي” ولو لا بول لما عرف أحد شكري، وغيرهم.
في بريطانيا افتتح المشهد التمردي بعد الحرب العالمية الثانية جون أزبورن في مسرحيته التي صارت عنوان مرحلة: ” إنظر للوراء بغضب” تعكس مشاعر الاحباط والخيبة لجيل وكانت محطة تحول لجيل الغضب الذي مثله من بعد كولن ويلسون الذي عصف بكل المسلمات السائدة وحرث الارض من جديد.
في فرنسا بعد حربين عالميتين ظهرت مدارس وتيارات فنية وفكرية وفلسفية وعلمية بدل اجترار الماضي كالسريالية والدادئية والرواية الجديدة وفلسفة التفكيك ونقد المسلمات.
في حين ولد عندنا جيل الخمط والقفاصة والمفخخ والمكبسل والسطاي والنصاب والمشعوذ وكازينو القمار والروليت وتجار الرقيق واللص والخ من قاموس لغة زمن مشوه بعد حروب وحصار واحتلال وارهاب. من أي ثقافة وبيئة خرج هؤلاء؟
رغم كل الكوارث المستمرة منذ قرون فـــــــــــ”المثقف” والكاتب المتطابق مع الجميع فكرة انتهازية سائدة وجزء من التقليد الثقافي من انتاج الاحزاب الشمولية للكسب الحزبي والتلاعب بالناس وبيع الوهم لهم لان موقف المثقف الحقيقي كشف زيف الاوهام وليس مدحها لدوافع سياسية مع ان الاختلاف الفكري والثقافي مع الرهافة والحساسية والمغامرة الفكرية جوهر الحداثة ونحن نعتبر هذه العناصر امراضا نفسية من قبل القطيع.