د . ميخائيل عوض يكتب : لاءات بري الثلاث : قطع الصلة مع ثلاثي النظام قمة شنغهاي تدير الظهر لعقوبات ترامب وتتخلى عن الدولار !!!

لاءات بري الثلاث ؛ قطع الصلة مع ثلاثي النظام…قمة شنغهاي تدير الظهر لعقوبات ترامب وتتخلى عن الدولار…ضربة جزيرة لارك موجهة لقمة شنغهاي…من يقود حرب الاستنزاف ومن يدفع الأثمان؟
ميخائيل عوض / لبنان
*قمة شنغهاي: أكثر من قمة اقتصادية*
نولي أهمية استثنائية لانعقاد قمة شنغهاي في هذه اللحظة بالذات، نعتبر أن دلالتها تتجاوز جدول الأعمال التقليدي للقمم الدولية.
فالقمة تجمع، بحسب طرحنا ، قوى ودولاً تمثل نسبة ضخمة من سكان العالم ومن الاقتصاد العالمي، وتنعقد في الوقت الذي تخوض فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها واحدة من أوسع معارك العقوبات والحصار الاقتصادي، ولا سيما في مواجهة إيران.
ومن هنا، فإن أهمية القمة لا تكمن فقط في أسماء المشاركين أو البيانات التي ستصدر عنها، بل في المسار الذي يمكن أن تفتحه أمام نظام اقتصادي وسياسي مختلف.
ونرى أن أبرز الإشارات تتمثل في الحديث عن تعزيز التبادل بالعملات الوطنية، ودعم مؤسسات مالية وتنموية بديلة، وتقليص الاعتماد على الدولار، وصولاً إلى البحث في آليات جديدة لتنظيم العلاقات الدولية يتم التخلي فيها تماما عن الدولار.
وبمعنى آخر، فإن القضية ليست فقط «التخلي عن الدولار» بوصفه إجراءً مالياً، بل محاولة لبناء شبكة علاقات اقتصادية وسياسية تقلل قدرة طرف واحد على التحكم في حركة العالم.
وهنا نربط بين قمة شنغهاي والحرب الاقتصادية التي تخوضها واشنطن، خصوصاً أن العقوبات والحصارات أصبحت إحدى أهم أدوات السياسة الأميركية في إدارة الصراعات الدولية.
*من المنافسة إلى «التفاعلية»*
إحدى الأفكار المركزية في قراءتنا تتمثل في التحول في العالم الجديد من مفهوم التنافس والصراع الدائم إلى مفهوم «التفاعلية».
فالعالم الذي يتشكل، وفق هذه الرؤية، لا يقوم كما كان عالم الليبرالية المتوحشة على أن تكون قوة ما في مواجهة قوة أخرى بصورة صفرية، وإنما على بناء علاقات قائمة على المصالح المتبادلة والتكامل والتعاون بين الدول والمجتمعات.
وهذا التحول، إذا ترسخ، يعني تغييراً عميقاً في قواعد اللعبة الدولية:
من احتكار المعرفة والتكنولوجيا والموارد إلى تداولها، ومن فرض الإرادة بالقوة إلى التفاوض والتفاعل، ومن الهيمنة الأحادية إلى تعدد مراكز القوة.
ونرى أن هذا هو أحد الأسباب التي تجعل قمة شنغهاي ذات أهمية تتجاوز اللحظة الراهنة، لأنها ـ في تقديرنا ـ تعكس محاولة لرسم قواعد لعالم جديد أوراسي متعدد الأقطاب
*هل كانت ضربة جزيرة خارك رسالة إلى قمة شنغهاي؟*
في هذا السياق نطرح قراءة لافتة للضربة التي استهدفت جزيرة لارك، ونتساءل عما إذا كان توقيتها مرتبطاً بانعقاد قمة شنغهاي.
ولا نقدم الأمر باعتباره حقيقة محسومة، بل نضعه في إطار سؤال سياسي واستراتيجي: هل يمكن أن تكون الضربة رسالة استباقية لإشغال الاهتمام العالمي بالحرب، في الوقت الذي تجتمع فيه مجموعة من القوى التي تعمل على بناء ترتيبات اقتصادية وسياسية خارج المنظومة الغربية؟
فالضربة، وفق هذا التحليل، لا ينبغي قراءتها بمعزل عن السياق الأكبر للحرب الاقتصادية والعسكرية.
وفي الوقت نفسه، نربط بين التصعيد العسكري والضغوط الاقتصادية الأميركية، نعتبر أن واشنطن تحاول استخدام مختلف أدوات القوة المتاحة لها: العقوبات، الحصار، الضغط على أسواق الطاقة، التهديد العسكري، والحرب النفسية والإعلامية.
ومن هنا تصبح لارك في القراءة التي نقدمها جزءاً من لوحة أكبر، لا مجرد هدف عسكري منفصل.
*«الصعود الأوراسي يحبط فشل الإنزال النورماندي الاقتصادي الترمبي»*
نعود إلى الرهان الأميركي على العقوبات والحصار الاقتصادي، خاصة الأخير الذي وصفه ترامب سابقاً بـ«الإنزال النورماندي الاقتصادي».
ونعتبر أن التجربة الإيرانية أظهرت حدود قدرة العقوبات على تحقيق أهدافها عندما تواجه دولة تمتلك قدرات ذاتية وشبكة علاقات وتحالفات دولية وإقليمية تسمح لها بالمقاومة.
لكن المشكلة، في رأينا ، أن الفشل الاقتصادي لا يعني بالضرورة انتهاء الحرب، بل قد يدفع الطرف الذي فشل في تحقيق أهدافه إلى الانتقال من الضغط الاقتصادي إلى أدوات أخرى، أو المزج بين الأدوات الاقتصادية والعسكرية والسياسية.
وهنا تأتي أهمية قمة شنغهاي: فإذا تمكنت الدول المشاركة من تطوير آليات للتبادل المالي والتجاري خارج هيمنة الدولار، فإن إحدى أهم أدوات الضغط الأميركية تفقد جزءاً من فعاليتها.
*حرب الاستنزاف: من يقودها فعلاً؟*
لكن السؤال الأكثر أهمية في التحليل لا يتعلق فقط بمن يتلقى الضربات أو من يتحمل الخسائر، بل بـمن يملك المبادرة.
فحرب الاستنزاف، في رأينا، ليست مجرد حرب طويلة.
إطالة الحرب لا تعني تلقائياً أن الطرف الأضعف هو المستفيد، كما أن امتلاك القدرة على التحمل لا يكفي وحده لتحقيق النصر.
الاستنزاف يصبح استراتيجية فعالة عندما يكون الطرف الذي يعتمدها قادراً على فرض إيقاع الحرب، وتحديد مكان الضربات وزمانها وأهدافها، ودفع خصمه إلى ردود فعل متلاحقة.
ومن هنا نوجه تحذيراً إلى قوى المحور التي تعتمد الحرب الطويلة كخيار استراتيجي: لا يكفي أن تقول إنك قادر على الصمود سنوات، بل يجب أن تسأل:
من يبادر؟
من يختار الأهداف؟
من يحدد توقيت المواجهة؟
أين تقع الحرب؟
من يتحمل الكلفة الاقتصادية والبشرية؟
ومن يجبر الآخر على مطاردته؟
*الولايات المتحدة وإسرائيل تتعلمان من تجارب خصومهما*
نرى أن أحد الأخطاء الاستراتيجية هو افتراض أن الولايات المتحدة وإسرائيل ستقف في هذه الحرب بعد سلسلة المفاجآت التي تلقتها من المحور وهما عاجزتان عن التعلم والتكيف.
ونؤكد أن التجارب السابقة أثبتت امتلاكهما قدرة على مراجعة الخطط وتعديل التكتيكات والاستفادة حتى من تجارب خصومهما.
فحرب العصابات، والمقاومة، والحرب طويلة الأمد، والاستنزاف، ليست أدوات حصرية لطرف دون آخر.
ولهذا فإن انتقال واشنطن وتل أبيب إلى استخدام بعض أدوات الحرب الطويلة يعني أن قواعد اللعبة لم تعود كما كانت.
ومن هنا تأتي دعوتنا إلى عدم التعامل مع مفهوم «حرب الاستنزاف» باعتباره ضمانة تلقائية للنصر.
فالاستنزاف يحتاج إلى قيادة ومبادرة وحركة وتغيير مستمر في التكتيك. والأخطر قد يتقنه الخصم فيقلب المعادلة لصالحه.
*إيران:لماذا يبقى الرد محدوداً* ؟
في حديثنا عن المواجهة الأميركية ـ الإيرانية، نلفت إلى أن الرد الإيراني الأخير على استهداف جزيرة لارك جاء، وفق قراءتنا أقل من مستوى التهديدات التي سبقت الضربة.
ويضع لذلك عدة احتمالات:
ربما كان القرار تكتيكياً، وربما أرادت طهران تجنب توسيع الحرب، وربما أرادت الإبقاء على أوراقها، أو ربما كانت هناك حسابات مرتبطة بتوقيت المعركة السياسية الأميركية.
لكن نركز على نقطة أساسية: طالما أن المبادرة بقيت في يد الخصم، فإن إيران تبقى في موقع رد الفعل.
ومن هنا نعيد طرح السؤال الذي نراه جوهرياً:
> من يقود الحرب فعلياً؟ ومن يملك المبادرة؟
فإذا كان الطرف الآخر هو الذي يقرر متى يضرب وأين، بينما يكتفي الطرف المقابل بالرد، فإن ميزان المبادرة لا يكون بالضرورة في مصلحة الطرف الذي يمتلك القدرة الأكبر على التحمل.
*الحرب الطويلة لا تعني أن الولايات المتحدة وإسرائيل تخسران تلقائياً*
وهنا نصحح ، في تحليلنا فكرة شائعة حول حروب الاستنزاف.
فقد كان الاعتقاد أن إسرائيل لا تستطيع تحمل حرب طويلة، وأن المجتمع الإسرائيلي لا يحتمل استمرار الخسائر، وأن الولايات المتحدة لا تريد التورط في حرب ممتدة.
لكن التجربة، بحسب قراءتنا ، تستدعي إعادة النظر في هذه الفرضيات.
فالولايات المتحدة وإسرائيل قد تكونان مستعدتين أيضاً لاستخدام الحرب الطويلة كأداة استنزاف للخصم، خصوصاً عندما تستطيعان نقل المعركة إلى أرض الطرف الآخر ومجتمعه واقتصاده.
وهنا تصبح المفارقة واضحة:
إذا كان الطرف المدافع يريد إطالة الحرب لاستنزاف المعتدي، لكن المعتدي هو الذي يحدد مكان الحرب وزمانها وأهدافها، فقد تنقلب المعادلة.
*المبادرة هي مفتاح النصر*
لهذا نصر على مفهوم «المبادرة».
المبادرة لا تعني بالضرورة شن حرب شاملة أو القيام بخطوات انتحارية، بل تعني القدرة على إجبار الخصم على التعامل مع أجندة المعتدى عليه.
أن يختار الهدف، وأن يحدد توقيت الضربة، وأن يفتح جبهة في المكان الذي يربك الخصم، وأن يدفعه إلى استنزاف موارده، بدلاً من أن يبقى منشغلاً فقط بإحباط ضرباته.
ومن هذه الزاوية، نرى أن الحرب الحالية تحتاج إلى دراسة أعمق لمعادلة القوة، لأن مجرد امتلاك القدرة على التحمل لا يكفي.
*ترامب بين التصعيد والانتخابات والأزمات الداخلية*
نربط التصعيد الأميركي أيضاً بالحسابات السياسية الداخلية للرئيس دونالد ترامب.
فالحرب، في تقديرنا، قد تكون أداة متعددة الاستخدامات: للضغط على الخصم الخارجي، وللتغطية على الأزمات الداخلية، ولرفع منسوب التوتر السياسي، ولإعادة ترتيب المشهد قبيل الانتخابات النصفية.
وبالتالي، فإن التهديدات المتكررة والتصعيد ثم التراجع لا ينبغي التعامل معها دائماً باعتبارها خطوات عسكرية منفصلة.
إنها، وفق هذه القراءة، جزء من سياسة مرنة تستخدم التصعيد والتهدئة والضغط الاقتصادي والحرب النفسية في الوقت نفسه.
وهذا ما يجعل قراءة التغريدات والتهديدات وحدها غير كافية؛ فالمطلوب هو مقارنة الكلام بالوقائع الميدانية والاقتصادية.
*اليمن: تطور محتمل في المشهد*
ونتوقف أيضاً عند التطورات في اليمن، ولا سيما ما ياشتباكات عنيفة بين القوات المسلحة اليمنية ومرتزقة العدو السعودي على محور الكدحةراه مؤشرات على احتمال تراجع مستوى الاشتباك السعودي المباشر.
ونرى أن أي انسحاب أو إعادة تموضع سعودي ينبغي ألا يُقرأ بمعزل عن الدور الإماراتي، وعن طبيعة التدخلات الإقليمية في اليمن.
وفي رؤيتنا ، فإن إنهاء الحرب اليمنية لا يمكن أن يكون مجرد انسحاب طرف خارجي، بل يجب أن يقترن بإعادة صياغة المشهد اليمني على قاعدة وحدة اليمن وسيادته على أرضه وثرواته وقراره السياسي.
ونعتبر أن عودة اليمن إلى موقعه كقوة محورية في المنطقة يمكن أن تكون واحدة من نتائج أي تسوية حقيقية.
*لبنان: «لاءات بري الثلاث» ومؤشرات فك الارتباط*
في الجزء اللبناني ، ننتقل إلى موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، ونرى في خطابه الأخير مؤشرات تستحق التوقف عندها.
ونقرأ ما نسميه «لاءات ثلاث» باعتبارها مؤشراً على انتقال الموقف من مجرد الاعتراض السياسي إلى مرحلة أكثر وضوحاً في رسم الحدود مع السلطة التنفيذية.
ونضع هذه المؤشرات في إطار:
فك العلاقة مع بعبدا، وقطع الصلة بين ثلاثي النظام، ورفض التعامل مع مسار سياسي نعتبره خارجاً عن قواعد الشراكة والدستور والميثاقية.
والأهم في هذه القراءة ليس العبارة بحد ذاتها، بل السؤال عن أسباب وصول العلاقة بين مكونات النظام إلى هذا المستوى.
فهل المسألة خلاف سياسي عابر؟
أم أن هناك تحولاً أعمق في بنية العلاقة بين الرئاسات ومكونات السلطة؟
*«بعد موقف بري… السلطة أمام سيناريو وحيد: الترحيل»*
نربط موقف بري بملف الجنوب، وبما شكلته السلطة من مسارا سياسي وأمني يهدد بتحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات لتسهيل ترتيبات جديدة على الأرض.
ومن هنا نطرح استنتاجاً حاداً: إذا أصبحت السلطة غير قادرة على حماية التوازنات التي قام عليها النظام، فقد يتحول الصراع السياسي إلى سؤال حول إعادة تشكيل السلطة نفسها.
ونستخدم تعبير «الترحيل» لوصف السيناريو الذي يراه مطروحاً أمام السلطة، في حال استمرت في مسار متعارضاً مع الدستور والميثاقية ومصالح شريحة واسعة من اللبنانيين.
وهذا، في رؤيتنا ، نفسر ارتفاع سقف خطاب بري، باعتبار أن المسألة لم تعد مجرد خلاف على قرار أو موقف حكومي، بل تتصل بمستقبل تركيبة النظام وبالعلاقة بين مكوناته.
*«ثلاثي النظام» أمام اختبار حاسم*
نرى أن ما يجري في لبنان يمثل اختباراً جدياً لطبيعة النظام السياسي نفسه.
فإذا كانت الميثاقية والشراكة جزءاً أساسياً من قواعد النظام، فإن تجاوز إحدى القوى الأساسية أو تجاهل وزنها السياسي لا يمكن أن يمر من دون تداعيات.
ومن هنا فإن موقف بري، وفق قراءتنا، قد يكون رسالة إلى الداخل والخارج معاً بأن قواعد اللعبة اللبنانية لا يمكن تغييرها بصورة أحادية.
والسؤال الذي يبقى مفتوحاً هو: هل سيتحول هذا الموقف إلى مسار سياسي متكامل، أم سيبقى في إطار الضغط السياسي وإعادة التفاوض؟
*العالم يتغير… ولبنان جزء من التحول*
في المحصلة، نربط الملفات الثلاثة في لوحة واحدة.
فلبنان يعيش أزمة في بنيته السياسية، وإيران تواجه حرباً مركبة عسكرية واقتصادية، والعالم يشهد صعود قوى أوراسية تسعى إلى بناء منظومات بديلة عن الهيمنة الغربية.
وبالتالي، فإن ما يجري ليس مجرد سلسلة أحداث منفصلة.
قمة شنغهاي تتحدى احتكار القرار الاقتصادي، والحرب الأميركية ـ الإيرانية تختبر حدود القوة العسكرية والاقتصادية، ولبنان يواجه اختباراً حول شكل نظامه السياسي وتوازناته.
وفي قلب كل ذلك، يبرز سؤال المبادرة.
فالعالم الذي ينتقل من الأحادية إلى تعدد المراكز لا يُبنى فقط بالخطابات، بل بامتلاك أدوات اقتصادية وسياسية وعسكرية تسمح للقوى الصاعدة بفرض حضورها.
وكذلك في الحرب: الصمود مهم، والتحمل مهم، والاستنزاف مهم، لكن الأهم هو من يملك زمام المبادرة.
ولهذا نختتم رؤيتنا بتحذير واضح من «النوم على حرير»؛ فالحروب لا تحسمها الرغبات، وإنما الوقائع، والقدرة على قراءة الخصم، وتغيير التكتيكات، واستثمار عناصر القوة، ومنع الخصم من أن يبقى هو صاحب القرار في المكان والزمان والأهداف.
ويبقى السؤال الذي تختصر به الحلقة كلها:
إذا كانت الحرب حرب استنزاف، فمن الذي يستنزف الآخر؟ ومن الذي يملك المبادرة؟ ومن يدفع الثمن؟ ومن سيكتب قواعد العالم الذي سيأتي بعد انتهاء الحرب؟
🖊 ميخائيل عوض