تقارير وتحقيقات

صفعة جديدة للنتنياهو قبل الانتخابات: تسريبات أبوظبي عن تحذير بن زايد عبر الـ CIA واعترافات الشاباك بخدعة السنوار

كتب:هاني الكنيسي
لم تكد تمضي بضع ساعات على التهديد والوعيد الذي أطلقه النتنياهو بملاحقة صحيفة ‘هآرتس’ العبرية قضائياً واتهامها بالكذب والافتراء بعد نشرها تقرير عن تلقيه تحذيراً إماراتياً مباشرًا قبل هجمات 7 أكتوبر، حتى تلقت رواية رئيس الوزراء الإسرائيلي صفعة مؤلمة اليوم.
إذ نقل الإعلام العبري عن تحقيق للصحافي ‘عاميحاي شتاين’ في قناة “i24NEWS” أن رئيس الإمارات محمد بن زايد آل نهيان، كان قد أبلغ ‘بيل بيرنز’ مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)) صراحة بأنه نقل بنفسه لنتنياهو تحذيراً عاماً حول “الوضع المتفجر في الميدان” قبيل اندلاع طوفان الأقصى.
هذا التقاطع الصارخ بين الروايات لم يقتصر على تكذيب النفي الرسمي الصادر عن مكتب النتنياهو، بل أعاد تفجير موجة لم تهدأ من السجالات السياسية والاتهامات العلنية بالتقصير لرئيس الوزراء و”الإهمال الجنائي” (على حد التعبير الذي استخدمه رئيس الوزراء الأسبق ‘إيهود باراك’)، في توقيت انتخابي شديد الحساسية يهدد مستقبل رئيس الحكومة المحاصر بالتحقيقات وبنتائج الاستطلاعات التي تشير إلى تأخره عن منافسه ‘غادي آيزنكوت’ زعيم حزب “ياشار” والرئيس السابق لأركان الجيش الإسرائيلي.
تعود جذور القصة إلى تحقيق استقصائي نشرته ‘هآرتس’ الثلاثاء الماضي، مستندًا لكتاب “مخطوفون: 843 يومًا من الإهمال” للصحافيين ‘شلومي إلدا’ و’روت يوفال’، كشف أن بن زايد أجرى مكالمة هاتفية استثنائية استمرت 45 دقيقة مع ‘بيبي’ في أواخر سبتمبر 2023، أي قبل نحو عشرة أيام فقط من هجوم 7 أكتوبر، حذّره خلالها من أن زعيم حماس يحيى السنوار “يُعدّ لعمل كبير” ضد إسرائيل، وفق ما نقله التحقيق عن مستشار مقرب من ولي عهد الإمارات.
ووفق التحقيق ذاته، فإن النتنياهو تلقى التحذير الإماراتي ببرود (مثلما كان رد فعله على تحذير مصري مماثل وفق رواية صحافية إسرائيلية أخرى). إذ أنهى المكالمة بطمأنة بن زايد وتأكيده أن تركيز حماس الأساسي، بحسب تقديره الشخصي، منصبّ على الضفة الغربية، وأن إسرائيل “جاهزة لكل السيناريوهات”. والأدهى أنه لم يُبلغ، بحسب التحقيق، لا رئيس أركان الجيش الإسرائيلي حينها ‘هرتسي هليفي’ ولا ‘رونين بار’ رئيس جهاز الأمن العام “الشاباك” بمضمون المكالمة، رغم أن الشاباك، بحسب التحقيق، كان قد تلقى بشكل منفصل تحذيرًا مشابهًا.
ورغم تكذيب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي “رسميًا” لقصة ‘هآرتس’، فقد أفادت صحيفة ‘معاريف’، أمس الأربعاء، بأن النتنياهو ومحيطه بذلوا جهوداً حثيثة “في الكواليس” لإقناع الإماراتيين بنفي الواقعة “علنًا” حمايةً لموقفه الانتخابي، في حين سرّب مصدر إماراتي للإعلام الإسرائيلي تأكيداً بصحة ما ورد في تحقيق ‘هآرتس’.
الرواية الأحدث (المنقولة عن قناة “آي نيوز 24”) بشأن الرسالة الإمارتية الموجهة للـ “CIA” أشارت إلى أن الإنذار كان “عاما” ولم يتضمن تفاصيل عملياتية محددة عن الهجوم أو تاريخه -وهو ما أيدته مصادر أمريكية ألمحت إلى أن إدارة ‘جو بايدن’ لم تتلقَ بدورها إنذاراً مبكراً عن الهجوم المحتمل- إلا أن مجرد وجود التحذير ينسف رواية النتنياهو المتكررة حول “الغياب التام” للتحذيرات المسبقة والمؤشرات الإقليمية.
وكما هو متوقع، اقتنص خصوم النتنياهو ومنافسوه في الانتخابات المقبلة الفرصة لتسديد ضربات قاسية لشرعيته؛ فقاد المرشح المنافس ‘أيزنكوت’ برفقة رئيس الوزراء الأسبق ‘نفتالي بينيت’ هجوماً حاداً، اتهما فيه نتنياهو بالإهمال والتجاهل المتعمد لتحذيرات أبوظبي والقاهرة، معتبرين أن هذا “التعامي” يعكس أزمة قيادية عميقة وإصراراً على التمسك بنظرية “الكونسيبتسبون” Conceptsia الأمنية الفاشلة التي افترضت قدرة إسرائيل على احتواء حماس وشراء التهدئة، مضحياً بالأمن القومي الإسرائيلي للحفاظ على ائتلافه الحكومي وكرسيه.
وبالتزامن، كشف المحلل السياسي المعروف ‘باروخ يديد’ -في مقابلة تلفزيونية اليوم- عن أبعاد جديدة تتعلق بقنوات التواصل السرية قبل 7 أكتوبر.
إذ نقل عن مقربين من القيادي الفلسطيني محمد دحلان (مستشار الشيخ محمد بن زايد) أن يحيى السنوار مرّر معلومات أشبه بإنذارات -في سبتمبر 2023- إلى شخصيات محسوبة على دحلان، ومنهم ‘سفيان أبو زايدة’، الملقب بـ “عيون الفحم”، والذي نقلها بدوره إلى مسؤول بارز في ‘الشاباك’، يُرمز له بحرف “G”، وكان معنيًا بالملف الفلسطيني في الجهاز الأمني.
لكن مسؤولاً استخباراتيًا إسرائيليًا كبيرًا وصف تلك المعلومات بأنها لم تكن “عملياتية أو إنذارية بما فيه الكفاية” لتغيير التقديرات السائدة آنذاك، واصفًا إياها بأنها “لم تكن حمراء فاقعة بل ربما وردية”.
أما ‘يديد’ فأكد أن ذلك النمط من التواصل “الخلفي” – بين إسرائيل وحماس عبر وسطاء – لم يكن استثناءً، مستذكرًا أن ‘أبو زيدة حافظ’ كان على اتصال مستمر مع القيادي في حماس غازي حمد الذي وافق النتنياهو نفسه سرًا على إجراء اتصال معه بعد عملية “الجرف الصامد” عام 2014.
ويخلص ‘يديد’ إلى أن تقدير الأجهزة الإسرائيلية آنذاك كان أن السنوار نجح، ولو جزئيًا، في خلق انطباع زائف بأنه يتجه نحو “تسوية” وبرغبته في تشكيل “جبهة إنقاذ مدنية”، ما فسّر لاحقًا سبب عدم ترجمة أي من هذه الإشارات والإنذارات (الإماراتية أو الفلسطينية أو المصرية)، إلى تحرك استخباراتي أو عسكري فعلي من جانب إسرائيل قبل الإفاقة صباح 7 أكتوبرعلى فاجعة “طوفان الأقصى”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى