
بعدما أكدت حسابات إماراتية مقربة من دوائر الحكم، اليوم، خبر سفر وفد إماراتي إلى طهران للمرة الأولى منذ بداية الحرب، يبدو أن الأمر أكبر من مجرد تحرك ديپلوماسي عادي. نحن أمام مؤشر واضح على حجم التغيير الذي فرضته مسارات الحرب على حسابات أبوظبي.
الإمارات كانت تقريبًا الطرف الخليجي الوحيد الذي راهن على أن المواجهة ستؤدي إلى إضعاف إيران، وربما إسقاط النظام الحاكم فيها وتغيير قواعد اللعبة الإقليمية. كما أنها الدولة الخليجية الوحيدة التي تفاخرت بمشاركتها بشكل فعلي في العمليات العسكرية، ويبدو أنها اعتمدت في ذلك على التحالف المتنامي مع إسرائيل، باعتباره وسيلة لتعزيز موقعها الإقليمي وتوفير مظلة أمنية في مواجهة التهديدات المختلفة.
لكن ما جرى كشف حدود هذا الرهان. فبدلًا من ظهور نظام إيراني منهك أو معزول، وجدت أبوظبي نفسها مضطرة للعودة سريعًا إلى طهران، والتأكيد، بحسب التقارير، أنها لن تقدم أي دعم لأي عمليات أمريكية أو إسرائيلية مستقبلية ضد إيران، إلى جانب الحديث عن تسليم النظام الإيراني مبلغًا ماليًا، غير نقدي، بقيمة ثلاث مليارات دولار.
وهنا تكمن الدلالة الأهم؛ فالمسألة لم تعد مجرد فشل الرهان على سقوط النظام الإيراني أو إضعافه، وإنما أيضًا سقوط الرهان على أن الشراكة مع إسرائيل قادرة على تحييد المخاطر أو حمايتها من تداعيات أي مواجهة كبرى في المنطقة.
إسرائيل هي نفس “الحليف” الذي أعلن عن زيارة نتنياهو السرية للإمارات، والذي أعلن المشاركة الإماراتية في الضربات العسكرية.
هذه الاستدارة السريعة من جانب أبوظبي تعكس إدراكًا متأخرًا لحقيقة أصبحت واضحة للجميع:
إيران ما زالت لاعبًا أساسيًا في المعادلة الإقليمية، وتمتلك من أدوات التأثير والردع ما يجعل تجاهلها أو تجاوزها خيارًا شديد الكلفة.
لكن التحدي الأكبر أمام أبوظبي لا يتعلق فقط باحتواء تداعيات الحرب، بل يمتد إلى ملفات أعمق، في مقدمتها علاقتها بإسرائيل وموقعها داخل الترتيبات الإقليمية الجديدة.
فطهران، ومعها أطراف أخرى في المنطقة، خصوصًا السعودية وقطر وعُمان، التي تعرضت لهجوم متكرر من حسابات إماراتية شبه رسمية، وأحيانًا رسمية، واتُّهمت ب”التخاذل” و”الجبن السياسي” والخضوع لإيران، لن تنظر إلى ما جرى باعتباره خلافًا عابرًا انتهى بزيارة أو لقاء سياسي، أو حتى بانتهاء الحرب نفسها.
المؤكد أن أبوظبي وجدت نفسها مضطرة للتعامل مع واقع مختلف تمامًا عن ذلك الذي راهنت عليه، وضحت في سبيل رهانها بعلاقتها بالدول الخليجية.
فعندما تنتقل دولة خلال أيام من الرهان على هزيمة خصمها إلى السعي لطمأنته، فإن ذلك يكشف حجم التحول الذي فرضته مسارات الحرب على الجميع بشكل عام، وعلى أبوظبي بشكل خاص.