كتاب وشعراء

مع الأستاذ عبدالله فارع…أ.علي المحلتي


هناك من يسألني عن الذي جمعني بالأستاذ عبدالله فاضل فارع.
فأكتفي بالصمت. على أن يجيب الآخرون ممن يعرفون هذا الود الذي جمعني بعبقرية الإنسان مربي ومعلم أجيال عدن وربما كل محافظات اليمن. ولكني اليوم سأضطر إلى التجرؤ والتطرق إلى نقطتين هامتين فقط من عشرات المواقف.
الأولى:
في سنة ١٩٩٨ بمنتدى الأستاذ ياسين عبدان (مقرر جامعة عدن سابقا) في منزله في المنصورة بعدن. حين جلس على يساري والأستاذ د. جعفر عبده صالح الظفاري وهو يتربع ركنه بالمنتدى على يميني وهو المقعد الذي احتفظ به لي طيلة حياته منذ أسماني (الملك) بحضور عدد من رواد منتدي الأستاذ ياسين عبدان بينما في منتداه في حافون بالمعلا كان يحتفظ لي بمقعدي على يساره إلى أن غادر الفانية إلى دار البقاء.
الأستاذ عبدالله فاضل فارع حضر ليلتها وكان شارد الذهن وقبل الفعالية سألته هامسا:
(أنت الليلة يا أستاذ لست على بعضك فأنت شارد الذهن).
فرد لي:
(وكيف عرفت؟).
قلت له:
(إنني مرب ومعلم).
فابتسم وقال:
(أترجم كتاب رجال بلا نساء لفيكتور هيجو ولم أجد معنى لكلمة فيه برغم من بحثي لها في كل القواميس والكتاب باللغة الانجليزية).
فقلت له متسرعا:
(حتى قاموس أوكسفورد؟).
فرد بتنهيدة موجعة:
(حتى في هذا القاموس).
فكرت في أقل من دقيقة سارحا بمخيلتي إلى أماكن احتلها الانجليز. فخطر على ذهني دولة استراليا بعد أمريكا. فقلت له:
(ابحث عن القاموس الاسترالي وستجدها فيه إن شاء الله).
صمت وتغيرت ملامحه إلى البشاشة قائلا:
(هذا القاموس وجدته في دولة الكويت عندما كنت ملحقا ثقافيا في سفارتنا).
ونهض معتذرا للمغادرة.
وكل رواد المنتدى ظنوا أنني كنت سببا في مغادرته فابتسم قائلا:
(فعلا كان لقب الأستاذ جعفر الذي أطلقه على علي محلتي وهو الملك حقيقة يشكر عليها).
وغادر منتدانا.
حينما عدت قرابة التاسعة مساء بدأت بفتح أزرار قميصي لحل ملابسي وإذا بصوت الزوجة يقول:
(لو لم يكن في صوت الأستاذ عبدالله فاضل ما يدل على السعادة لشغلت بك ولاتهمتك أنك قمت بتأثيره فقد اتصل بك أكثر من اثني عشر مرة).
فدنوت لألتقط سماعة الهاتف لأتصل به فإذا بالهاتف يرن.
فكان هو المتصل معربا عن شديد اعتذاره لإزعاجه البيت بكثرة اتصالاته وقال لي:
(وجدتها. فقد اتصلت بصديق لي بالكويت وطلب مني لحظة حتى يجدها فوجدها وأعطاني معناها مؤكدا لي أن طيار طائرة الخطوط الجوية الكويتية سيحضر لي مجلدات القاموس الاسترالي الأربعة إلى منزلي غدا يوم الثلاثاء).
ففرحت له وباركت له ذلك.
الثانية:
كنت في شهر يونيو ٢٠٠٦ أتعاطى قاتي في منزل الأستاذة سلوى محمد سعد الصنعاني في كريتر بعدن وكنا نحضر لذكرى رحيل شيخ الملحنين العم محمد سعد الصنعاني الذي رحل إلى دار البقاء في ٢٢ يونيو ١٩٩١.
طلبت الأخت سلوى بعد مقدمة طويلة عن علاقة والدها بالأستاذ عبدالله فاضل. طلبت رقم هاتفه المنزلي فهو لم يكن لديه جوالا.
فأعطيتها.
فاتصلت به وأطالت معه من ديباجة المقدمة. ثم طلبت منه الحضور إلى مقر اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين في محافظة لحج ليلة الفعالية.
فتفاجأت بها تقول:
(هو مخزن عندي).
وبعد أقل من دقيقة مدت لي سماعة الهاتف قائلة:
(نعم يريد يسمع صوتك).
فكلمته بالمباخرة وحسن حاله فرد بالإيجاب قائلا:
(قلت لها أن هناك واحد اسمه علي محلتي يعرف المكان الذي يستحق أن يتواجد به عبدالله فاضل لو تعرفيه وإلا باعطيك تلفون بيته).
فقلت له بألا يهتم وإنني سأرافقه من منزله إلى لحج ومن ثم سأعيده.
فاتفقنا.
وفي ٢٦ يونيو ٢٠٠٦ نسقت مع أخي عبدالخالق المري أن يرتب لنا السيارة التي ستقلنا بين الظهر والعصر وتعيدنا في ذلك اليوم بعد انتهاء الفعالية.
فوافق وأحضرها.
دارت بيننا أحاديث شتى أثناء الرحلة من عدن إلى لحج فسقطت أمطار ربانية في الطريق ولما وصلنا في طريقنا إلى أمام مطعم محمد فضل الوهطي في صبر طلبت من السائق أن يوقف السيارة خارج الطريق هدفا مني أنني سأنزل لأتبلل بماء المطر.
فما كان من الأستاذ عبدالله فاضل الذي كان راكبا بجانب السائق إلا أن يقول:
(سبقتك مش لوحدك ستتبلل بالمطر) ونزل من السيارة قبلي واحتظني ومكثنا أكثر من دقيقتين في هذا المشهد. وبعدها واصلنا طريقنا إلى الفعالية والسائق في ضحك مستمر والأستاذ عبدالله يقول له أن تلك اللحظات لن تتكرر.
في الفعالية ألقى نبذة عن الفقيد عمي محمد سعد الصنعاني وكما يسميه أبا عبدالقوي وما ارتبط به معه من صداقة كانا سعيدين بها حتى رحيل الوالد محمد سعد مذكرا بأن لا يستنكر أحد عن ثيابه وثيابي المبللة بمياه المطر. وشرح للحضور سبب ذلك.
وعندما طلب مني أن أعيده قمت بواجبي لإعادته إلا أنه ترجاني عند السيارة بأن أبقي في الفعالية وسيعود هو والسائق فقط.
وبعد إصراره نفذت له طلبه ذلك.
..
رحمة الله تغشاه وكل من رحل عن الدار الفانية إلى دار البقاء وأطال أعمار من هم على قيد الحياة.
علي مهدي محلتي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى