كتاب وشعراء

لا أنا لي فيك…..بقلم محب خيري الجمال

لا أنا لي فيك
يمرّ النورُ بي كأنني لستُ أنا
وكأنني أثرُ اسمٍ تاه في نداءٍ أقدم منّي
يا من يفتحُ الوجودَ من داخله
خذني إليك منّي
فإنني كلما ظننتُ أنني اقتربتُ
انكشفتُ لي مسافاتٌ لا تنتهي في داخلي
أمشي ولا أمشي
فإن الطريقَ يسيرُ بي وأنا لا أملكُ إلا ارتجاف الخطوة
كأنني خُلقتُ لأتعلم كيف أضيع حتى أراك
في صدري صحراءٌ تسجدُ لريحٍ لا تُرى
وتتوضأ بالغياب
وتناديك باسمٍ لا يخرج من حنجرة
بل من عمقٍ لا يعرف اسمه
يا ربّ
إن كان فيّ أنا فاحرقه بنورك
واجعلني علامةً عليك لا عليّ
واجعلني سؤالًا لا يهدأ حتى يذوب السؤال فيك
كلّ ما فيّ يتكسّر حين يلمسك المعنى
ثم يعود في هيئة صمتٍ أوسع من الفهم
كأن الوجود كلّه يتعلم أن يتواضع أمامك
أسمعُني أحيانًا كغريبٍ يطرق بابي
ولا أفتح له
لأني أخاف أن يكون هو أنا حين لا أراك
في الليل
ينحلّ الجسدُ إلى دعاء وتخرجُ منّي أسماءٌ لا أعرفها
تمشي نحوك حافيةً منّي
كأنها كانت تعرف الطريق قبلي
يا من تُغرقني فيّ لأراني
وتُخرجني منّي لأفنى
أيّها الحاضر في كل غياب
كيف أكون وأنا لا أكون إلا بك؟
أحملُ قلبي كأنه ليس لي وأضعه بين يديك
كطفلٍ نسي طريقه إلى نفسه
وأنا لا أطلب إلا أن تظلّ النارُ في داخلي نورًا
لا يحرقني إلا لأدلّ عليك
وإذا ضعتُ
فإن ضياعي صلاةٌ لا تنتهي
وإذا سقطتُ
فإن سقوطي بابٌ يُفتح في جهة الغيب
وإذا سكتُّ
فإن صمتي هو الاسمُ الذي لا يُقال إلا في حضرة المحو
ثم إني لا أقف عند حدودي
بل تتقدّم بي الحدودُ حتى تتكسر
كأنني حجرٌ أُلقي في مرآة الوجود
فلا المرآة تبقى مرآة ولا الحجر يبقى حجرًا
أرى نفسي تنحلّ فيك
لا كذوبانٍ بل ككشفٍ عن وهم التماسك
كأنني لم أكن إلا ظلّ فكرةٍ عني
فإذا بك أنت الحقيقة التي تمحو فكرة الظلّ
يا من إذا تجلّيتَ احترقتُ بك لا عليّ
وصرتُ رمادًا يتهجّى نورك
ثم يعود نورًا لا يعرف أين كان الرماد
أريدك لا لأفهمك
بل لأفقد كل ما يجعلني أظن أنني أفهم
أريدك لا لأصل إليك
بل لتصير أنت الوصول حين يزول كل طريق
فخذني منّي على هيئة انطفاءٍ لا ينطفئ
واجعلني صرخةً تتجاوز صوتها
حتى لا يبقى فيّ إلا ما يشير إليك
ولا يبقى منك إلا ما يمحو الإشارة
وحين يشتدّ بي النور حتى يصير وجعًا
أضحكُ كمن رأى نفسه للمرة الأولى ولم يحتملها
فأدرك أن الرؤية ليست معرفة
بل فناءُ ما يرى
تتكسّر في داخلي الجهات
وتسقط الخرائط من يدي كأنها كانت وهمًا لطيفًا
ولا يبقى إلا اتجاهٌ واحدٌ بلا اسم
يمشي بي نحوه لا لأصل
بل لأختفي على عتباته
أسمعُ الكونَ يتهجّى سرّه في صدري
كأنني لستُ إنسانًا بل حنجرةً كونيةً تتلو نفسها
وتنحلّ كلما نطقت
وحين أبلغُ آخر ما فيّ
لا أجدني
أجدك أنت
لا كحضورٍ يُرى بل كغيابٍ يمحو الرائي والرؤية
فلا أنا لي فيك
ولا لي إلا أن أكونك حين لا أكون
ولا يبقى منّي إلا أثرُك
يكتبني ثم يمحو الكتابة
حتى يصير المحو هو الاسم الأخير للنور.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى