تقارير وتحقيقات

في العراق .. قاعدتان إسرائيليتان وأكثر

كتب:هاني الكنيسي
بعد أسبوع أو أقل من الصخب الإعلامي والضجة السياسية، إثر كشف ‘وول ستريت جورنال’ WSJ الصادم عن وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية في منطقة النخيب الصحراوية غرب العراق -بفضل راعي أغنام قادته الصدفة إلى “المنطقة المحرّمة”- فجّرت ‘نيويورك تايمز’ اليوم مفاجأة جديدة: ليست قاعدة واحدة، بل قاعدتان سريتان على الأقل داخل الأراضي العراقية، جرى تجهيزُهما منذ أكثر من عام لخدمة العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد إيران.
التحقيق الاستقصائي الذي أجرته ‘إريكا سولومون’، بالتعاون مع 5 صحافيين آخرين، لم يكتفِ بتأكيد الرواية السابقة، بل قدّم سرداً أكثر دراميّة، يكشف كيف تحولت الصحراء العراقية إلى “مسرح عمليات” خفي للحرب الإسرائيلية على إيران، وسط صمت حكومي عراقي مرتبك، وتضارب في الروايات الرسمية، وتساؤلات متشككة عما إذا كانت بغداد ضحية خداع استخباراتي… أم شريكاً “لا حول له ولا قوة” في لعبة كبرى؟!
بحسب التحقيق، أمضى الجيش الإسرائيلي أكثر من عام في إعداد مواقع سرية داخل العراق، تحديداً في الظهير الصحراوي الغربي، لتكون بمثابة محطات دعم متقدمة لعملياته الجوية ضد إيران. ونقلت الصحيفة عن “مسؤولين إقليميين” أن تلك المواقع “استُخدمت بالفعل خلال حرب الـ12 يوماً الماضية في يونيو 2025، حيث وفّرت نقاط دعم لوجستي، وإعادة تزوّد بالوقود، وإسناد طبي، إضافة إلى فرق إنقاذ خاصة مهمتها التدخل السريع لانتشال الطيارين الإسرائيليين في حال إسقاط طائراتهم فوق إيران أو في محيطها”.
أما الجديد في رواية ‘نيويورك تايمز’ عن زميلتها ‘وول ستريت جورنال’ أن القاعدة السرية في صحراء النجف ليست وحيدة، وربما “جزء من شبكة قواعد أوسع”. إذ نقلت الصحيفة عن النائب العراقي ‘حسن فدعم’ الذي حضر جلسة إحاطة برلمانية سرية، قوله إن “الموقع الموجود في النخيب ليس الموقع الوحيد الذي تم اكتشافه”، مؤكداً وجود قاعدة إسرائيلية ثانية “على الأقل” داخل العراق. كما أكد مسؤول عراقي ثانٍ لنيويورك تايمز وجود القاعدة الأخرى دون تفاصيل، مكتفياً بالإشارة إلى أنها “تقع أيضاً في الصحراء الغربية”.
خيوط القصة الأشبه بأفلام الجاسوسية الرخيصة في هوليوود، تكشفّت عملياً يوم 3 مارس الماضي (في الأسبوع الأول من الحرب الأمريكيسرائيلية على إيران)، عندما تحرك راعي الأغنام العراقي ‘عوض الشمري’ بشاحنته الصغيرة نحو بلدة النخيب للتسوق، قبل أن يصادف، بحسب رواية عائلته وشهود عيان، “تحركات غير طبيعية: جنود، مروحيات، خيام، ومهبط طائرات وسط الصحراء”. فاتصل الرجل البدوي بالقيادة العسكرية العراقية ليبلغ عما شاهده، “لكنه لم يعد حياً”!!
وتوضح ‘إريكا’ أن “مروحية مجهولة لاحقت الأعرابي وأمطرت شاحنته بالرصاص حتى احترقت بالكامل في الرمال”. (*الصورة مرفقة بالبوست أدناه).
ويروي ابن عمه أمير الشمري للصحيفة: “قيل لنا إن هناك شاحنة صغيرة محترقة تشبه سيارة عوض، لكن لم يجرؤ أحد على الذهاب إلى هناك فوراً. وعندما وصلنا لاحقاً، وجدنا السيارة مدمرة والجثة متفحمة بداخلها”.
التحقيق الصحفي يلمّح -بنبرة التصريح- إلى أن اكتشاف الراعي المسكين للقاعدة الإسرائيلية كلّفه حياته.
وتتصاعد الدراما عندما يرسل الجيش العراقي، بعد تلقي البلاغ، قوة استطلاع إلى المنطقة، فتتعرض هي الأخرى إلى “إطلاق نار مباشر وغارات أدت إلى مقتل جندي وإصابة اثنين وتدمير مركبتين عسكريتين”، قبل أن تنسحب القوة تحت شدة القصف.
وتتفاعل أزمة سياسية منبعها “الحرج”، نتيجة اعتقاد المسؤولين العراقيين في البداية أن القوة المهاجمة أمريكية، ما دفع بغداد لتقديم شكوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي ضد “قوات أجنبية”.
لكن، الصحيفة تنقل عن اللواء علي الحمداني قائد قوات غرب الفرات، أن “اتصالات جرت لاحقاً مع القيادة الأمريكية”، أكدت أن القوات “ليست أمريكية”، ما جعل القيادات العراقية “تستنتج” أنها إسرائيلية.
وهنا بدأ تضارب الروايات الرسمية العراقية. ففي حين قال الفريق سعد معن، المتحدث باسم القوات الأمنية العراقية، لنيويورك تايمز إن “بغداد لا تملك أي معلومات بشأن مواقع لقواعد عسكرية إسرائيلية”، نقلت الصحيفة ذاتها عن “مسؤولين عراقيين كبار” أن الجيش كان “يشتبه منذ أسابيع” في نشاط إسرائيلي بالصحراء الغربية، لكنه اكتفى “بالمراقبة” وطلب توضيحات من الأمريكيين دون الحصول على رد!!
التضارب أثار تساؤلات أكثر إحراجاً: هل كانت بغداد حقاً تجهل وجود قواعد إسرائيلية على أراضيها إلى أن اكتشفها راعٍ بدوي؟ أم أن بعض دوائر الدولة كانت تعلم بالأمر وفضّلت الصمت لتجنّب أزمة سياسية؟!
يذهب التحقيق أبعد من ذلك، حين يشير إلى أن واشنطن كانت غالباً على علم بالوجود الإسرائيلي منذ يونيو 2025 أو حتى قبل ذلك. وهو ما يعني -وفقاً للمسؤولين الذين تحدثوا للصحيفة- أن “الولايات المتحدة ربما أخفت المعلومات عن حكومة بغداد، أو أن قيادات عراقية عليا كانت مطّلعة على النشاط الإسرائيلي وتعاملت معه بسرية كاملة”.
وليس خافياً بالطبع مدى حساسية ذلك في بلد يعيش (منذ غزوه وسقوط صدام حسين عام 2003) أسير معادلة “توازن” هش أو لعبة “شد حبل”، بين النفوذ الأمريكي العسكري والسياسي من جهة، والهيمنة الإيرانية السياسية والطائفية والمجتمعية من جهة مقابلة. فالعراق الذي تستضيف أراضيه قواعد وقوات أمريكية وتمر عائدات نفطه عبر مصارف واشنطن، وتسيطر على مقدراته الأمنية والسياسية الفصائل والأحزاب الموالية لطهران، وجد نفسه -مرة أخرى- رهين صراع إقليمي أكبر بكثير من قدراته وطموحاته.
ومن ثم، تحول “الكشف غير المقصود” عن فضيحة القواعد الإسرائيلية على أرض العراق إلى “بركان سياسي” ألقى بحمم الاتهامات بالعجز عن حماية “السيادة الوطنية” على رأس حكومة متعثرة حتى في استكمال تشكيل حقائبها الوزارية (نتيجة التجاذبات والمساومات) منذ تكليف علي الزيدي -الذي جاء كحل وسط بين شروط واشنطن وتحفظات طهران.
وعن ذلك الوضع، يقول اللواء الحمداني بمرارة: “للأسف .. حتى الآن، حكومتنا ملتزمة الصمت”. بينما وصف النائب ‘وعد القدو’ ما جرى في الصحراء الغربية بأنه “استهتار صارخ بسيادة العراق وبكرامة شعبه”.
في المقابل، حافظ الجيش الإسرائيلي على سياسة “الصمت العملياتي”، تاركًا المهمة للإعلام العبري الذي لم يقصّر في التفاخر بـ”اليد الطولى” في أرجاء المنطقة وفي أحساد بلدانها، رافضاً التعليق “رسميا” على موضوع القواعد أو على مقتل الراعي العراقي، رغم أن رئيس الأركان الإسرائيلي ‘إيال زامير’ صرح بعد حرب يونيو 2025 بأن نجاح العمليات ضد إيران تحقق “بفضل الخداع والتكامل بين القوات الجوية وقوات الكوماندوز البرية”.
ومن جهتها، امتنعت القيادة المركزية الأمريكية في الشرق الأوسط (سنتكوم) عن التعليق. غير أن مسؤولين عسكريين أمريكيين سابقين أكدوا لنيويورك تايمز أنه “من غير المعقول أن تكون السنتكوم لا تدري بوجود نشاط عسكري إسرائيلي بهذا الحجم داخل العراق”.
لكن الغموض “المتعمّد” من جميع الأطراف بشأن الواقعة الدرامية ، قد لا يستمر طويلا في وضع استثنائيّ يغلي على جمر حرب لم تنطفئ نارها ويحتمل انفجارها مجدداً في أي لحظة، بكل تداعياتها الإقليمية وتشابكاتها الجيوسياسية.
ولهذا حذّر الخبير ‘رمزي مارديني’ مؤسس شركة “جيوبول لابز”، من أن أي تقارب عراقي مع واشنطن قد يُفسَّر مستقبلاً بوصفه “انحيازاً لإسرائيل”، متوقعًا أن يمنح استئناف الحرب طهران “ذريعة لتوسيع نطاق تدخلها العسكري المباشر في العراق، ومبرراً جديداً أقوى لرفض الفصائل الشيعية المسلحة نزع سلاحها”.
ولا عزاء لشعب الرافدين المغلوب على أمره في جميع المعادلات. عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى