د.إسماعيل صبري المقدم يكتب : اتساءل عن الاسباب التي استدعت هذا التحول الجذري في الموقفين الامريكي والايراني

اذا صحت الاخبار المتداولة في وسائل الاعلام العربية والدولية حول قبول ايران الدخول في جولة جديدة من المفاوضات مع الولايات المتحدة برعاية الوسيط الباكستاني لها ، وذلك من منطلق الرغبة المشتركة للطرفين في البناء علي التفاهمات التي امكنهما التوصل اليها، وبما يتيح لهما الاستمرار في العملية التفاوضية الي النهاية، الخ. وهو ما يعني ان الاولوية الحالية لديهما اصبحت للدبلوماسية وليست للحرب.. وانهما يستطيعان ان يحققا بالاتفاق ما. لن يمكنهما تحقيقه بالحرب والصدام..
وبدوري اتساءل عن الاسباب التي استدعت هذا التحول الجذري في الموقفين الامريكي والايراني والتي دفعت بهما الي مائدة التفاوض من جديد ، وهل لذلك علاقة بزيارة الرئيس التمريكي ترامب الاخيرة للصين، ام انها جاءت ضمن سياق آخر لا علاقة له بهذه الزيارة ؟. التسريبات الاعلامية للعالم تقول ان ايران قدمت ورقة معدلة كاساس لاستئناف العملية التفاوضية تضمنت استعدادها لتقديم تنازلات جوهرية عديدة سبق لها ان رفضتها.. ومنها التنازل عن طلب تعويضات عن خسائرها الجسيمة التي منيت بها في الجولة السابقة من الحرب عليها والقبول بدلا منها ببعض المساعدات الاقتصادية الامريكية لها ، والقبول بوقف تخصيبها لليورانيوم لفترة طويلة وليس لفترة محدودة بدلا من التدمير الشامل والفوري للبرنامج النووي الايراني وحرمان نهائيا من حقها في تخصيب اليورانيوم كما تصر علي ذلك اسرائيل، وابداء موقف ايراني اكثر مرونة فيما يتعلق برفع العقوبات الامريكية والدولية عنها ….وعدم الممانعة في عقد اتفاق سلام تكون باكستان وسلطنة عمان من. بين ابرز الموقعين عليه والضامنين له حتي لا تعود امريكا مرة اخري للانسحاب منه بقرار منفرد منها ، الخ.. وربما تكون هناك تنازلات اخري لم يتم. كشف النقاب عنها وسوف ياتي الاعلان عنها فيما بعد… هذا بينما يصرح الرئيس ترامب بان تاجيله او تعليقه لتنفيذ قراره بالحرب علي ايران جاء استجابة لمناشدات له بذلك من السعودية وقطر وعمان.. وربما من الامارات ايضا..وفي تصريح آخر يقول ان العودة الي التفاوض جاءت محصلة تطورات ايجابية للغاية حدثت مع ايران في الفترة الاخيرة. دون ان يشير الي طبيعة تلك التطورات او يحددها.. وفي تصريح ثالث يقول ان الايرانيين لا يجدون ما يفعلونه مضطرين سوي التفاوض معنا بعد ان دمرنا لهم جيشهم وقتلنا الصفين الاول والثاني من قيادتتهم العليا من سياسيين وعسكريين .، وانهم في اوضاع بائسة َوميئوس منها ، واننا نتفهم ذلك ونعذرهم عليه عندما يطلبون منا التفاوض معهم للتوصل الي اتفاق ، الخ… . دوامة من التصريحات الامريكية المتلاحقة والمتضاربة والتي لا بد وان تتوه الحقيقة معها في وجود ادارة امريكية تظل طول الوقت تراوغ وتكذب وتخادع.. .. وهو ما يثير من جديد التساؤل حول هدف امريكا الحقيقي من هذا كله.. فالمضيق مغلق وازمة الطاقة العالمية في تصاعد ، وحصار ايران مستمر ، والتهديدات الاسرائيلية بالحرب علي ايران لا تتوقف.. واجواء المنطقة كلها سيئة ومتوترة وقابلة للانفجار في اي وقت بصورة مخيفة ومقلقة.. واذا كان الوضع العام يبدو حتي الآن انه ما يزال تحت السيطرة، فانه لن يستمر كذلك الي ما لا نهاية.. بل وقد ينفجر باسرع مما نتوقعه او نتصوره…
ما اخشاه هو ان الايرانيين قد يقعون مرة اخري ضحية لهذا الخداع الاستراتيجي الامريكي الاسرائيلي بتصورهم انهم بتنازلاتهم وبتخليهم عن العديد من مطالبهم وشروطهم وبهذه الدرجة العالية من المرونة التفاوضية، سوف يخرجون من الجولة المقبلة من المفاوضات بنتائج ايجابية ترضيهم وتخرجهم من الدائرة الجهنمية التي فرضتها امريكا عليهم او أدخلتهم فيها بحصارها البحري الشامل لموانيها وبهذا الحشود العسكرية الهائلة في مضيق هرمز وحوله ، وبمنع ايران من تصدير نفطها ومن قطع روابطها التجارية مع العالم مع استمرار العقوبات الاقتصادية الصارمة المفروضة عليها.. كل هذا معا وفي نفس الوقت..فالهدف بالنسبة لامريكا يبقي هو ارباك القادة الايرانيين وانهاكهم في المراهنة علي اتفاق قد لا يحدث ، واستنزاف طاقتهم علي الاحتمال والصبر علي واقعهم الصعب ، وافقادهم قدرتهم علي المبادرة والابقاء عليهم في منطقة الدفاع ورد الفعل وبدرجة يتعذر عليها كسرها والخروج منها..
الموقف الحالي وكما اراه لنفسي ، هو ان ايران ما زالت تتحرك فوق صفيح ساخن، وعبر حقل ملئ بالالغام والأشواك التي وضعها الامريكيون والاسرائيليون في طريقها حتي يسدوا كل منافذ الخروج منها بسلام .. وذلك علي امل ان ما يمكنهم ان ياخذوه منها تحت الضغط والابتزاز والتهديد المتواصل بالحرب عليها ،سوف يوفر عليهم ما قد لا يستطيعونه ويدفعون ثمنا باهظا فيه اذا ما اختصروا الطريق علي انفسهم وذهبوا الي خيار الصدام والحرب الآن.. وهذا هو هدف الامريكيين من كل هذه المناورات والتكتيكات الخداعية التي يحاولون بهاالتشويش علي رؤية الايرانيين للموقف وعلي حساباتهم له وتوقعاتهم منه.. وحتي يوقعوا بها الخلاف بين قادتهم ويثيروا الانقسام في صفوفهم مع تازم الاوضاع وغياب الحلول والتسويات.. فهي اذن لعبة الرهان الامريكي علي الوقت.. ولديهم من الادوات ما يمكنهم بها افشال الجولة المقبلة من المفاوضات مع ايران والانتهاء بها من حيث بدات.. عرض أقل