كتاب وشعراء

شاعرٌ في الطابقِ الأخير…..بقلم محب خيري الجمال

في البنايةِ القديمةِ التي تتقشّرُ جدرانُها
مثل ذاكرةِ جنديٍّ عجوز
يسكنُ شاعرٌ في الطابقِ الأخير
لا أحدَ يعرفُ اسمَهُ كاملًا
ساعي البريدِ ينظرُ إلى البابِ بخوفٍ
والجيرانُ
حينَ يمرّونَ قربَ غرفتهِ يخفضونَ أصواتَهُم
كما لو أنّ أحدًا يصلّي
أو يبكي
في الليلِ تظهرُ من نافذتِه إضاءةٌ خافتة تكفي
لإرباكِ العتمة
يقولُ الحارسُ إنهُ سمعَ ضحكةَ امرأةٍ هناك
رغمَ أنّ الشاعرَ يعيشُ وحدهُ
منذ سنوات
أحيانًا تسقطُ من شرفتهِ أوراقٌ كثيرة
تمشي بها الريحُ
إلى الشارعِ الخلفيّ فيجمعُها الأطفالُ دونَ أن يفهموا
لماذا تشبهُ الكلماتُ أشياءَ مكسورة
الرجلُ الذي يبيعُ السجائرَ
في آخرِ الزقاق
أقسمَ مرّةً
أنّ الشاعرَ اشترى منهُ نارًا ولم يشترِ تبغًا
وفي المقهى
كانوا يتحدثونَ عنهُ كما يُتحدَّثُ عن حريقٍ
وقعَ قديمًا
لكنَّ رائحتَهُ ما زالتْ عالقةً في الستائر
أما أنا
فقد صعدتُ إليهِ ذاتَ مساء
وكانَ المطرُ يضربُ النوافذَ بعنفٍ خفيف
فتحَ البابَ ببطء
كأنّهُ يعرفني من قصيدةٍ سابقة
الغرفةُ ضيقة
لكنّها مليئةٌ بأشياءَ لا تُرى:
صمتٍ كثيف
كؤوسٍ فارغة
وصورٍ لمدنٍ
لم تعد موجودة
كانتْ هناكَ امرأةٌ ترقصُ فوقَ الورق كلما كتبَ سطرًا
اقتربتْ أكثر
سألتهُ:
لماذا تعيشُ هنا وحيدًا في هذا الارتفاع؟
كانَ المطرُ
يُحطِّمُ زجاجَ الليلِ ببطء والمدينةُ في الأسفلِ تلمعُ كجرحٍ مبتلّ
أشعلَ سيجارةً
بيدٍ تبدو كأنها خرجتْ لتوِّها من حريق
ثم ابتسمَ
ذلك النوعُ من الابتسام
الذي يجعلُكَ تشعرُ أنّ أحدًا ما ينزفُ في مكانٍ بعيد
وقال:
لأنَّ السقوطَ يحتاجُ مسافةً كافية
لأنَّ الذينَ في الأسفلِ
يموتونَ بالتقسيط بينَ وظيفةٍ ومرآة
بينَ فاتورةٍ
وسريرٍ بارد
أما أنا فأردتُ هلاكًا يليقُ بما رأيت
هنا
أستطيعُ أن أسمعَ قلبي وهو يتحطّمُ بوضوح
أستطيعُ أن أرى الكلماتِ
وهي تخرجُ من فمي
مذعورةً
كطيورٍ تحترقُ أثناءَ الطيران
أتعرفُ ما معنى أن يعيشَ الإنسانُ فترةً طويلة
وهو يشعرُ
أنَّ روحَهُ متروكةٌ خارجَ جسدِه
أن ينامَ كلَّ ليلة
بجانبِ خرابِه الشخصيّ كأنَّهُ زوجتُهُ الأخيرة؟
أن يفتحَ النافذةَ
فلا يرى المدينة
بل مقبرةً ضخمة تتحرّكُ وتأكلُ وتشربُ وتضحكُ أيضًا؟
ثم صمتَ قليلا
وكانَ الصمتُ فظيعًا إلى درجةِ أنني سمعتُ عمرَهُ وهو يسقط
اقتربَ من النافذةِ
وأشارَ إلى الشوارعِ البعيدة
وقالَ بصوتٍ
كأنَّهُ قادمٌ من قاعِ بئر:
كلُّ هؤلاءِ
يبحثونَ عن شيءٍ ينقذُهُم
حبّ،
إله،
مال،
موسيقى،
سرير،
أو حتى كذبةٌ جيّدة
لكنَّ أحدًا لا يريدُ الحقيقة
لأنَّ الحقيقةَ حينَ تظهرُ كاملةً لا تُنقذُ أحدًا
الحقيقةُ
تخلعُ عنكَ وجهَكَ
ثم تتركُكَ عارياً أمامَ نفسك
وأقسمُ لك
أنَّ أكثرَ ما يُرعبُ الإنسان ليسَ الموت
بل اللحظةُ التي يكتشفُ فيها
أنَّهُ عاشَ عمرَهُ كاملًا
يطرقُ بابًا
لا أحدَ خلفَه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى