حسام السيسي يكتب :خريطة ترامب وقلق الإمبراطورية: لماذا تبحث واشنطن عن “شرق أوسط أمريكي” جديد؟

حين نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصته “تروث سوشيال” خريطة ل “الشرق الأوسط الأمريكي”، لم يكن الأمر مجرد مناورة رقمية أو استعراض عابر، بل كان تجسيداً بَصرياً لعقل الأزمة الذي يدير السياسة الأمريكية في المنطقة.
تلك الخريطة تختزل المفارقة المعقدة التي تواجهها واشنطن اليوم: إنها القوة العسكرية الأكبر عالمياً، لكنها باتت عاجزة عن إنتاج “شرق أوسط مستقر” وفق شروط الهيمنة القديمة. فبين المواجهات العسكرية المحسوبة مع طهران في يوليو 2025، والعودة إلى التصعيد في فبراير 2026، يتكشف حجم التذبذب في الأداء الأمريكي.
على الرغم من الحشود العسكرية غير المسبوقة، وإرسال المجموعات البحرية الضاربة، والتلويح بحرب استنزاف مفتوحة، سارعت واشنطن مجدداً إلى فتح أبواب الدبلوماسية الخلفية.
وهنا تكمن العقدة؛ فلو كانت الهيمنة الأمريكية تحتفظ بسيولتها المطلقة كما كانت إبان حقبة “القطب الواحد”، لما بدت الإدارة مرتبكة بين حدّين: تصعيد عسكري يبحث عن الحسم، وتفاوض يفتش عن تسوية.
تدرك إدارة ترامب أن أي صدام واسع مع إيران لن يكون نزهة تقليدية على غرار حروب الخليج السابقة، بل سيتحول إلى حريق مفتوح يلتهم ممرات الملاحة الدولية، ويقوّض أمن الطاقة، ويهدد استقرار الأسواق العالمية. ومن رحم هذا الإدراك، يولد التناقض البنيوي في الخطاب الأمريكي: لغة تهديد بـ “المحو”، يتلوها حديث متفائل عن “فرصة تاريخية” و”عصر ذهبي” للمنطقة.
لم تعد الخريطة التي رسمها ترامب صك ثقة مطلق، بل هي محاولة دفاعية لإعادة فرض صورة السيطرة في لحظة بدأت فيها المنطقة في التفلّت من قيد الاحتكار الأمريكي.
لقد مضى الزمن الذي كانت فيه معادلة واشنطن بسيطة: “الحماية مقابل الطاعة الاستراتيجية”. اليوم، يبدو المشهد شديد التعقيد:
براغماتية الشركاء: بات القوى الإقليمية أكثر مرونة وقدرة على المناورة بين واشنطن وبكين وموسكو.
الحروب المستعصية: فقدت الآلة العسكرية القدرة على حسم المعارك سريعاً، وتحولت البحار والممرات إلى ساحات استنزاف متبادل.
حذر الحلفاء: لم يعد الحلفاء التقليديون مستعدين للانخراط الأعمى في مواجهة أمريكية غير مأمونة النتائج.
في هذه المرحلة، لم يعد الهدف الأمريكي يقتصر على كسر الخصوم، بل أصبح يتمحور حول إنقاذ “فكرة الردع” ذاتها من الانهيار. تخشى واشنطن أن يتولد يقين لدى عواصم المنطقة بأن القوة الأمريكية فقدت قدرتها الإلزامية؛ ولذلك، يصبح الاستعراض النفسي—عبر الخرائط، وحاملات الطائرات، والبروباجندا الرقمية—ضرورة ملحة لإقناع الإقليم بأن الشرق الأوسط ما زال فضاءً حيوياً تابعاً لها.
إن المنطقة قد تغيّرت بنيوياً، والعالم بات يرفض الانصياع لإملاءات القطب الأوحد وسط تعددية دولية متوترة. القوة الأمريكية لا تزال هائلة، لكن كفاءتها السياسية في صياغة المعادلات لم تعد كما كانت.
ربما تكون خريطة ترامب محاولة سيكولوجية لإقناع العالم—وربما لإقناع النخبة الأمريكية نفسها—بأن السيطرة ما زالت قائمة. لكن التاريخ يعلمنا دائماً: كلما شعرت الإمبراطوريات بحاجة ملحة لكتابة أسمائها فوق الخرائط، كان ذلك دليلاً على أن السيطرة لم تعد أمراً بديهياً.