كتاب وشعراء

ما بين القراءة والكتابة علاج….بقلم رقية العلمي/ فلسطين

أنا ابنة لواحد من آلاف الشهداء الذين ارتقوا خلال الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حكاية بدأتُ في كتابتها من ساعة ما حملت جثة أبي، لم تزل كلمات وجعها تدق في رأسي، أكتبها بدون تدوين… إلى أن آن الآوان وبدأت قصة عمر تبزغ وتنمو على الورق… أخاف أن يداهمني الموت قبل أن أسطر قصتي التي تُحاكي شعب فلسطين وأهلي.
أبي يدعى عبد الكريم العلمي، المعروف في أوساط اللاجئين باسم أبو شاكر، واحد من الشباب الفلسطيني الرائد والطموح، اضطر أثناء حرب 1948 للهجرة من مسقط رأسه اللّدّ .
سكنت كثيرًا من البلاد بلادًا ما عرفت لغة أهلها ولا ناسها، مرة أسكن هنا ومرات أعيش هناك…
ساعة أحذف فكرة … ومرات أُسجل في ذهني فكرة أخرى.
هذه فلسطين التي حملتها معي لما شردتني الموانئ وبعثرتني الأيام، مِن مطار إلى مطار، في كل مرة أحمل معي حقيبتي وكتبي وأوراقي، ما دخلت مدينة إلا والدموع في عيوني من الوحشة ومن المجهول الذي سأقابل، وفي الوقت نفسه تملأ الدموع عينيّ وأنا أغادرها غصبًا كما دخلتها مرغمة… أبكي هذه المرة لفراق ناسها وأهلها.
في وداعية أقيمت لي قال زميلي الخليجي: “ما دخلت فلسطين، ولا زرتها، ولكن رُقَيَّة أخذتني إلى دهاليزها، وكأني زرتها، رُقَيَّة هي فلسطين، وفلسطين هي رُقَيَّة”.
البدايات:
حكايتي فيها حزن، هذا الحزن حولته أمي وستي إلى قوة، راويات قيلت لنا ببساطة وعفوية، لنكتشف الآن أن محتواها ثمين وقيم، هن كما الالآف من الجدات والأمهات رسخن القضية في ذاكرة كل الأجيال المتعاقبة حتى يومنا.
لست أدري تمامًا كيف عرفت القراءة ومتى تسلل الكتاب لفجر حياتي، كل ما أعرفه أنني وعيت على ذكريات ألم غيري جراء النكبة، بعدها عشت أكثر من 7 حروب، منها في فلسطين ومنها ما حصل خارج فلسطين.
في شتاء عاصف من عام 1954، ولدت أنا وأختي التوأم في مستشفى رفيديا في نابلس ، بعد 10 أيام من الميلاد، انتقلت أنا وأختي مع والداي وجدتي وسكنا في رام الله. عشت هناك في بيت قديم يشبه القلعة يقع بمنطقة جبلية تسمى بطن الهوى…
جدتي تقول بإن بطن الهوى سمي كذلك لأنه مفتوح والرياح تضربه من كل الجهات…
شتاءات مُرة… لكن جدران البيت الحجرية وقرميده الأحمر حصننا من البرد…
هنالك في ركن من أركان البيت كتب أبي محفوظة في خزانة زجاجية، تشمل العلوم والكواكب والمجرات وكتب خاصة بالمحاماة والقانون الدولي، وموسوعة بريتانيكا بأجزاها الكاملة. وما زلنا بعد 7 عقود نحتفظ في بيت العائلة بهذه الكتب ولا نفرط فيها.
الدير والمدرسة:
في عامي قبل الثالث دخلت الى مدرسة راهبات ماريوسف، كانت تلفتني الكتب الموجودة في قسم الروضة، كتب ملونة، خطها كبير، والكلمات بسيطة لطفلة في عمري، في الفسحة، كنت أترك الملاعب والساحات أعود إلى الصف لتصفح الكتب المخصصة لإطفال الروضة، وكما يتطور كل شيء تطورت معي هواية الانجذاب للقصص، أصبحت أغوص بين ثنايا كتب الأطفال من سلسلة الغابة الخضراء وروايات وحكايات تدور بين قصة مدينتين وأوليفر تويست وأطفال السكة الحديدية.
لاحظ أبي تعلقي بالكتب وشجعني نحو الهواية وحرص على تزويدي بجديدها من مكتبات القدس ورام الله.
كانت مكتبة مدرسة راهبات ماريوسف تضم كتب بثلاث لغات العربية والانجليزية والفرنسية، ومن هناك انطلقت إلى طريق جديد نحو القراءة وأثناء العطلة الصيفية خصصت الراهبة يوماً في الأسبوع لاستعارة الكتب، وكنت على الدوام أول الحاضرات .
من شدة تعلقي في الكتب حصلت لي حادثة ما زالت محفوظة في الذاكرة، مع الراهبة معلمة اللغة العربية وأمينة المكتبة، الأخت أيدا (عايدة):
وقع نظري على رواية “نساء صغيرات” رفضت الأخت أيدا تسليفي الكتاب معللة ذلك بأن هذه القصة “لا تناسب عمرك!”
دسست يدي إلى الرف وسرقت الكتاب…
ارتحلت بين سطور قصة حياة أربع فتيات؛ عشت معهم أسى الفقر وألم الفراق حيث ذهب الأب إلى الجندية في زمن الحرب تاركاً زوجته وبناته الأربعة هناك في داره المتواضعة.
كم حزنت لعوز الأم، وبكيت عندما اضطرت واحدة من البنات لبيع جديلتها من أجل المال.
مقابل بيتهم، يسكن السيد جميس لورانس وحفيده لوري، الحفيد يتيم ووحيد!
يعيش في كنف جده الثري… يراقب لوري العائلة من النافذة فيغار من حنان الأم.
الفتيات يحسدن الحفيد على العيش في بيت جده الكبير بينما يحسد لوري البنات على الجو الأسري في البيت الصغير.
تناسيت عمداً أمر سرقة الكتاب، واحتفظت به متمنية أن تنسى الراهبة أمره.
مع مرور الوقت شعرت بالخجل، وبدأت الفكرة تلح على رأسي: “أعيدي الكتاب إلى المكتبة!”. بعد أكثر من سنتين ذهبت إلى الراهبة ومعي الكتاب…
قالت: ظننت أنه ضاع مني، إذن هو عندك؟
“هل أعجبتك الرواية؟
عم الصمت المكتبة.
مكتبات وكتب:
انطلقت بداية مسيرتي في القراءة من مدينة القدس العتيقة، في مكتبات أجدادي التاريخية والتراث ودورهم الديني في القدس الشريف عائلة أمي خطباء الأقصى في الحرم في مكتبة ثرية جامعة كانت في غرفة تطل نافذنها على قبة الصخرة المذهبة، في حين في الجهة المقابلة كانت مكتبة الخانقاه في نزل صلاح الدين الأيوبي في حارة النصارى، بيت عائلتي لأبي، مكتبة أخرى تحتوي على كتب من ذات النوع، كلها كتب ممنوعة من اللمس، لذلك اكتفيت بمشاهدتها من بعيد.
أول مرة سمح لي بمسك كتب غير كتبي، كانت، حينما زرت عمي في بيته في القدس؛ دخلت إلى غرفة الجلوس ودسستُ يدي بين كتب مكدسة على الأرفف، وأخرجت مجلة اسمها (مجلة العربي) بها ملحق صغير، استوقفني فن الألوان الملحق والصور. بوقتها كان سهلاً علي فهم مضمونها لذا استمتعت بقراءتها.
حرص عمي أن يعطيني المجلة وملاحقها ملاحظاً ميلي للمطالعة، كما شجعني عمي على القراءة شجعني أبي على الكتابة، كنت أكتب مواضيع صغيرة فأتركها بجانب سرير أبي لمراجعتها، حتى إذا ما الصبح أتى، ناقشني في المحتوى. كان أبي عاملًا أساسيًا في صقل موهبتي وتنمية ملكة الكتابة لديّ.
هاجر عمي إلى أمريكا، حز في نفسي سفره وحزنت حزناً لم يلتفت إليه أحد، كنت في العاشرة من عمري. وبقي سؤال في ذهني حتى اليوم لم أجد له إجابة:
أين اختفت كتبه ومجلاته؟ هل أخذها معه؟ أم أن زوجته تخلصت منها؟ أم وزعتها على صبايا الحي؟
وللمكتبات في حياتي دور كبير مكتبات في مدينة رام الله مدينة كانت نسبيًا صغيرة، ولكن كان لها دور كبير في تعزيز ثقافة القراءة عند السكان:
مكتبة دار معلمات الوكالة الطيرة، ومكتبة بلدية رام الله ومكتبة بلدية البيرة، وكانت الناس تنهل المعرفة من هذه المكتبات في ظل الاحتلال فلجأت للكتاب في مواجهة تلك الأوقات العصيبة:
منع التجول وإضرابات مدن وبلدات يقبع سكانها في البيوت من الخامسة عصراً حتى فجر اليوم التالي.
هذا كان محلياً وقد كان لمكتبة البروفيسور المستشرق بيير كاكيا في أدنبرة اسكتلندا الدور الكبير لفتح المجال أمام الطلبة العرب ومنهم أنا لقراءة الكتب العربية في المغترب.
لما دقت طبول الحرب
أبي مثل أيّ فلسطينيّ كان همه الأول في الحياة هو اللّاجئين والقضية الفلسطينية التي وهب حياته لها، وقد رسم لنفسه هدفاً، تحرير فلسطين، لكنَّه لم يكن يعلم أنه سيكون هو نفسه ضحية الحروب العدوانية والنّزاعات المسلحة في فلسطين.
خلال حرب حزيران 1967، قُتِلَ أبي عن 39 عاماً، جاء مقتله خلال جولة من الغارات الجويّة الإسرائيلية على مدينة أريحا. قُتل أبي أمام أعيننا… وبعد أن “سلّم الرّوح”، حاولنا نحن الأخوة ووالدتي أن نحملَ جسده في السيارة ولكنه بقي ينزلق المرة تلو الأخرى على الرمال بينما نتقافز حوله خوفاً… إلى أن جاء رجل وقام بمساعدتنا في وضع الجثة في المقعد الخلفي للسيارة، بعد ذلك قامت والدتي الشجاعة، حالها حال المئات من النساء الفلسطينيات، بقيادة السيارة وفيها جسد أبي المضرج بالدماء، من أريحا إلى مدينة السّلط: قيادة غاب عنها الكلام وخيّم عليها بكاء ستّة أطفال يحتضنون جسد والدهم المسجى.
عندما قامت والدتي بتسليم جثة أبي إلى مستشفى مدينة السّلط الحكومي، سمعت إحدى الممرّضات وهي تقول إن هذا هو أول [شهيد] وصل اليوم. في ذلك الوقت لم نكن نعرف أن أبي سيكون رقم واحد في طوابير الآلاف من الشُّهَداء…
جرحي ينزف ومعي الكتاب
خلال الغارة الجوية، أصابتني شظايا القنابل في قدمي، عالجتني الممرضات، ولما لجأنا إلى بيت أقاربنا في عمان، بقيت هناك في الفراش لا أستطيع السير على قدمي ، في غرفة خصص لي سرير أنام عليه، تركني حزن الكبار على احتلال باقي البلاد، واستشهاد قريبهم، ولم يسأل عني أحد، إلا ساعة تقديم الطعام، كان عمري 12 سنة، طفلة حملت معها الحزن واليأس والصفة الجديدة ، اليتيمة، ناظرت حولي وجدت مجموعة من الكتب، لحسن الحظ كانت معظمها قصصاً وروايات، وبدأت أشتت فكري عن مأساتي بالقراءة، وكانت قريبتي أكبر مني بسنوات، الوحيدة التي تتفقدني وتسأل عن حالي…
قالت: لاحظت أنكِ تحبين القراءة….
أحضرت لي من بيت الدرج كرتونة كتب لقراءتها، ومن تلك العزلة تعزز عندي التعلق بالكتاب.
لما عدنا إلى بيتنا في رام الله دون أبي، بدأت من نقطة غيرت مسار حياتي، ووعيت مع الناس على واقع جديد احتلال باقي فلسطين.
قطبان مهمان غابا عن حياتي: عمي وأبي. كنت في الثانية عشرة من عمري، عندما رأيت أحلامي تندثر لأصير زهرة برية تعتني بها الفطرة دون إرشاد.
أحسست أن الوقت قد توقف ومن هنا بدأت مسيرة غربتي وسيرة حياة مختلفة.
تملكني حزن لم يفارقني حتى هذه اللحظة فاعتزلت من حولي وأصبحت أعيش في غرفتي مع الكتاب، لا أعلم ماذا كان يحدث مع إخوتي وأمي كأنها القراءة كانت هروبي وتشتيت ذهني عن ألم الجراح.
كبرت وكان الكتاب يكبر معي، أخربش كلمات على ورق، أكتب، أمزق الورق، وأعيد الكتابة.
الكتابة:
لما سافرت إلى الكويت دخلت قبلي إلى بيتي الجديد كل كتب غسان كنفاني، كتب كانت بحوزة زوجي، ومن يومها تصادقت مع غسان كان دلك بعد اغتياله بثلاث أعوام، مما دفعني لعمل بحث عن حياته أنا وصديقة لي، استمددنا المعلومات من أرشيف جريدة القبس، ثم قمنا بعمل مقابلات ميدانية مع أفراد عائلته، قابلنا فايزة نجم والدة لميس وزوجها حسين نجم، وآني كنفاني التي كانت تزور الكويت في كل عام، وغيرهم من معارفه، بقي البحث دون نشر، غير أنني ما تخليت عن الكتابة عنه في ذكرى اغتياله ففي ذكرى رحيله كنت أحرص على نشر مرثية ركيزتها المعلومات من هذا البحث.
كانت بدايتي الحقيقية في الكتابة في أواسط سبعينيات القرن الماضي في الكويت، أول منشور لي كان في مجلة النهضة، وتنقلت ما بين مجلة الرسالة وفي جريدة الوطن والقبس، ثم تخصصت بالكتابة للطفل والمرأة وترجمة المقالات ذات صلة وأعمل مقابلات مع المختصين في هذا الشأن.
في بدايات الثمنينيات سافرت مع زوجي إلى بغداد، وهذه كانت محطة من أقوى الركائز في مسيرتي الأدبية، حيث كان الكتاب وبالذات كتاب الطفل يباع بسعر لا يزيد عن المئة فلس، ليكون متاحا لكل طفل عراقي، وبوجود مكتبات عامة منتشرة في محافظة بغداد منها مكتبة الرازي العامة ومكتبة الطفل العربي.
شهدت ويلات وأسى الحرب العراقية الإيرانية وكنت أسمع يومياً أخبار الشهداء والجرحى، مما زاد من ألمي لأن ذلك كان يعيد عذابات الحرب التي عشتها في بلدي، لذلك عن جديد كثفت القراءة للابتعاد عن أجواء الحرب القاسية.
وكالة الأنباء الكويتية:
خلال عملي في وكالة الأنباء الكويتية {كونا} سافرت في إجازة إلى فلسطين في يوليو 1990، وكنت قد استودعت زميلاتي أوراقي ومسودات ثلاث كتب كان نشرها مؤجلاً:
وصيت زميلاتي: أنا ذاهبة إلى الانتفاضة، إذا ما أصابتني رصاصة من مستوطن أو قتلني قناص من على دورية، أمانة انشرن كتبي… مسوداتها في الجارور… لم أكن أدري بأنها كانت وداع وبأنه آخر يوم لي على أرض الكويت.
في الثاني من أغسطس 1990 دخلت القوات العراقية إلى الكويت..
بعد سنوات… سألت صديقتي عبر الهاتف: “ماذا حصل لمسودات كتابي؟” قالت: “بعد التحرير، وجدنا المبنى فارغاً فبعد السيطرة على مكاتب الوكالة جمعت القوات العراقية كل الملفات وأفرغوا الجوارير وصادروا كل ورقة موجودة في المبنى. ومكتبنا كذلك كان خاوياً إلا من وريقات تخصك وجدناها على الأرض متناثرة هنا وهناك”.
الانتفاضة:
عدت من الكويت الى القدس ، وكنت عيّنة وباحثة في الوقت ذاته في دراسة حول “العائدين من الكويت”، أجراها مركز المعلومات الفلسطيني لحقوق الإنسان أحد مراكز جمعية الدراسات العربية شملت الدراسة جميع العائدين من الكويت على مستوى الضفة الغربية وغزة، تعينت ضمن هذا البرنامج في مركز المعلومات الفلسطيني لحقوق الانسان: سَجلتُ وزملائي يوميات الانتفاضة ودونت ويلات النزاعات المسلحة والنزوح واللجوء والتشرد، وكتبت في صحيفة القدس المقدسية لسنوات.
قبل رحيلها قدمت أمي شهادة عن تجربة نضالها كأم فلسطينية من خلال دائرة الوثائق التّاريخيّة في جامعة بيرزيت. كانت أمّي لواحظ الخطيب جماعة الكناني وقت المقابلة قد بلغت من العمر ثمانين عاماً: وقفت أمام عدسات الكاميرا قوية وراسخة الجذور كشجرة زيتون فلسطينية يصعب اقتلاعها، في سرد المعاناة الحقيقية التي عاشتها.
كما قامت أختي لينا العلمي بتوثيق حياة أبي وأمي في كتاب قام بكتابته المؤرّخ سميح حمودة… بدأ بجمع كلّ الأوراق الباقية من منظمة التحرير الفلسطينية، ونزل إلى الميدان باحثا في لقاءات مع الناس عن بدايات المنظمة، قابل ميدانيًّا أهالي اللد لجمع الشهادات حول أبي… أبي الذي عاش أقل من أربعة عقود لكنه ساهم في تأسيس أهم مفصلين في حياة الشعب الفلسطيني: الأونروا ومنظمة التحرير الفلسطينية.
خرجت حكاية أبي إلى النور في نهايات 2020 في كتاب: “حكاية شهيد من منظَّمة التحرير الفلسطينية… عبد الكريم العلمي: قصة شعب في سيرة رجل”
قصة أسرتي تحكي حكاية شعب:
رأيت لزاماً علي وواجبا وطنيا أن أنقل سيرة ومَسيرة ومسار أهلي ، فخاطبت المجتمع الدولي والأممي حول معاناة اللاجئين، كما قمت بجمع مذكّرات سيرة الاحتلال والانتفاضة في كتاب: “ممنوع التجول، بيتك بيتك”، مذكرات استندت إلى قصص ومقالات وخواطر نشرت في الصحف الفلسطينيّة والعربية وعلى شهادات عيان ويوميات حقوق الإنسان خلال الانتفاضة. “بيتك بيتك”، هكذا كان يقولها الجندي لنا ساعة إعلان منع التجول:
ويلات ومصائب لسعت نارها كل بيت فلسطيني، سرديات تحاكي الواقع الفلسطيني وتداعيات العيش في المخيم والإغلاقات والعزل والفصل ومصادرة الحريات والعقاب الجماعي، وما بينهما فلسطينيو الشتات.
هي الفلسطينية ومقولتها الشهيرة:
“ما تخفش”.
التقاعد:
عملت في الاونروا لعقدين، بعد التقاعد في العام 2016 تفرغت للكتابة وللقراءة على السواء، ومن على منبر تويتر انفتحت على نتاج الأدب العربي، وخصصت حسابي لنشر جديد القراءة وكل ما يهم القارىء العربي.
بقيت أعمل بنشاط ونشرت الكثير من القصص للطفل وللفتيان، وخلال جائحة كورونا كان الشعب الوحيد في العالم الذي لم يتضايق من الحظر نحن في فلسطين لأننا نشأننا وعشنا العزلة ما بين منع التجول والإضرابات والإغلاقات وحواجز منع الحركة. بل على العكس كانت هذه فرصة لمزيد من النتاج، لولا مطاعيم كوفيد الثلاثة التي داهمت الجسد وأثرت على التركيز وعلى مهارات الكتابة فأفرزت واقعاً جديداً نتاجه قلة الصبر على قراءة الروايات الطويلة، لذا استبدلت بالكتب المجلات الأدبية المتخصصة.
على سيرة الحروب
ليس من السهولة بمكان الكتابة عن الحرب: مع ذلك صدرت في القدس يوميات بقلم ثلاث فلسطينيات، يوميات كتبت باللغة الإنجليزية تسرد الحروب وسيرة القضية الفلسطينية:
“الحرب من دون شوكولاتة” مذكرات بيتي داغر مجج التي عاشت حياتها من خلال ثلاث حروب مع أربعة أطفال، شاهدة على نكبة عام 1948 وحرب 1967 كما ستكتب في السياق يوميات الحرب الأهلية اللبنانية، حيث كانت تزور والديها المسنين هناك.
المذكرات الثانية نقلتها سامية ناصر خوري في كتابها “تأملات من فلسطين رحلة الأمل”، التي تبدأ عشية حرب 1967 وتعرج على معاناة الاحتلال والانتفاضة.
أما كتاب “شارون وحماتي” يوميات سعاد العامري فسجلت فيه معاناة الفلسطينين خلال الانتفاضة الثانية.
ويوميات مدينة رام الله كانت تدونها على هيئة رسائل بريد إلكترونية ترسلها إلى أصدقائها حول العالم.
القراءة حزن مضاعف:
كانت القراءة تزيد من حزني: بكيت على ألم محمد شكري من العنف الذي كان يتعرض له، فكرهت أباه، وتعاطفت في «البئر الأولى» مع جبرا إبراهيم جبرا، لما أجبر الفقر الأم على بيع الحذاء الذي أهداه إياه راهب الكنيسة، والرحلة إلى القدس والطفل جبرا يرافق أمه لبيع الحذاء. وكم بكيت على الفقر والعوز الذي عاشه حنا مينا ظهر جلياً تجسيد فقره وفقر الناس من حوله في معظم نتاجاته.
لم تكن قراءات الكثير من السير الذاتية مبهجة، ففي “رحلة جبلية رحلة صعبة” سُجنت فدوى طوقان في البيت، ومنعها والدها من الذهاب للمدرسة وهي ما زالت في الصف الخامس الابتدائي، بسبب ورقة كتبها لها ابن الجيران وجدت في كتابها، وبقيت حبيسة البيت لولا أخوها إبراهيم الذي أخذ بيدها ودفعها لقراءة كتب الشعر والأدب الموجودة في مكتبة بيتهم.
في العام 2017 احتفلت الثقافة الفلسطينية بمئوية الشاعرة فدوى طوقان شاركت خلال نشاطات ذات العام بنشر قصة لليافعين عنوانها: “سنديانة فدوى طوقان بداية حياة”، أساسها مُستقى من سيرتها الذاتية، حيث قامت الشاعرة بزراعة الحقل في يوم الشجرة، وتصدت لمعول جاء في غيابها وخلع الشجيرات، والسنديان كان الشاهد على ميلاد الشجر وعلى عمل الفلاح وارتباطه بالأرض، تنتهي القصة بعد هجرة الطيور، والتأكيد على الصمود في الأرض وأمل العودة من الهجرة إلى الوطن، ومقولة الشاعرة الشهيرة: طيوراً تحط هنا أو هناك فكل المساحات أوطانها.
نقلت للقارئ نفحات من حياة “مايا أنجيلو” الشاعرة التي عانت من التحرش الجنسي ومن تبعات الاغتصاب، امراة حفزت عندي روح التمرد، لما بهرتني في قصائدها وكتبها منادية بفتح القفص في قصيدة “أعرف لما يغرد الطائر الحبيس”، كما مناهضتها التمييز العنصري ضد السود بقصيدة “أنا ما زلت أنهض”.
تناولت في سردياتي السير الذاتية ونقلت معاناة العوز والفقر وحاولت تحرير معظم شخصياتي في القصص؛ شخصيات تتوق إلى الحرية والمقاومة ومحاربة الظلم، بالأفعال لا بالأقوال:
لذلك في “رجل الثلج يسكن بيتاً” منحت رجل الثلج الحق في هوية واسم وعنوان، وفي قصة “في المخيم” تناولت معاناة أبناء الأسرى في سجون الاحتلال، قصة تستمد أحداثها من شعر ريما ناصر ترزي “بيسألوني مين أنا، أنا طفل فلسطيني” قصيدة تعزز صمود الطفل على أرض أجداده. وسؤال طفل المخيم لمدرسته عن السبب في التصوير المستمر لمدرسة “الوكالة”
{ لماذا صورني الضيف وأنا أكتب على اللوح؟ }
تنتهي القصة في عبارة تقولها الأم للطفل:
“يا ثائر هذا الحال لن يدوم ذات يوم سوف تفرح.” كان هذا وعدي له لكل طفل، سواء أكان ابن أسير أو ابن شهيد.
نحو الحرية:
أخرجت جميع أبطال قصصي للنزهة كما في “بشكير ومنشفة في نزهة”، “الذبابة والخنفس على الشاطىء” وفي “بطانية الريح” ساعدت البطانية الهروب من قسوة المارد، وفي “روز في نزهة” تعافت الأرنبة من مشكلة التأتاة لما شاركت في المخيم الصيفي.
في قصة “في قريتنا سنجاب” أخرجت الأطفال إلى الحقول والجبال لجمع حبات البلوط ليأكلها السنجاب عوضاً عن مداهمة مزرعة (أبو خليل) والأكل من محاصيله الزراعية، تكافل الأطفال بمساعدة معلمة العلوم تقديم الحبوب والأعشاب والخبز الجاف للسنجاب. وأصبح السنجاب صديق البيئة وحفر لنفسه بيتاً في جذع الشجر للوقاية من البرد والمطر في فصل الشتاء.
من “مكتبة الأستاذ نعيم” التي أظلمت بعد رحيله، حررت الكتب من الأسر ونقلتها إلى باص المكتبة المتنقلة وصارت الكتب تتجول بحرية بين بلدات وقرى الوطن.
وفي “السكري ودائرتنا الزرقاء” ما تركت طفل السكري وحيداً حولت الضاحية السكنية إلى ضاحية مثالية سخرت طاقات سكانها للعمل المجتمعي وأخرجتهم للسير في الحدائق وممرات المشاة لمؤازرة طفل السكري الساكن في الجوار.
حرب الإبادة على أهالينا في قطاع غزة كانت الهمّ الأكبر والحزن الأثقل على قلبي. ليس عليّ فحسب بل على قلب ووجدان كل إنسان حر في هذا العالم: فقمت أنا والكاتبة رقية كنعان، بإعداد كتاب “صمت من أجل غزة” أنطولوجيا قصصية بمشاركة مجموعة من الكُتاب والكاتبات العرب.
اخترت عنوان قصتي المشاركة في هذا الكتاب “فُتنة” فتاة صغيرة تبيع أزهار الفُتنة على الشاطئ، تنهي الغارة الجوية حياة أهلها، تلجأ إلى دير الراهبات، غارة جوية أخرى تهدم الكنيسة على رؤوس الراهبات والمصلين واللاجئين سكان الدير، الكل اختفى تحت الهدم ومعهم ماتت فُتنة. لكن أشجار الفُتنة ما زلت مزهرة حول الدير.
على سبيل النهاية، ولا نهاية هنا، أقول لكم:
ما كسرني الاحتلال ولا الحروب ولا غيرتني الغربة ولا الاغتراب. بالعكس كل هذا كان مصدر قوة دفعني للسير قدماً فشحذت الهمة مستندة على جملة بلورتها الراهبة في الدير عندما كانت تشرح عبارة شكسبير؛ عبارة ألهمت طفلة صغيرة وبقت راسخة في ذاكرتها: “أكون أو لا أكون تلك هي المسألة”.
كبرت وأنا أستمع لكلمات صلاح جاهين من على أثير الإذعات المصرية، من أوبريت “صورة” والوعد الأكبر للشعب الذي تجمع في صورة تقول، بأن كل مواطن يجب أن يكون في الصورة لخدمة وطنه في جميع الميادين: “واللي ح يبعد من الميدان عمره ما حيبان في الصورة”.
فقررت أن أكون قريبة من الميدان وأبقى، ولا أبتعد عن إطار صورة هذا الوطن الذي أراد مني الكثير وأعطيته القليل. كُتبت للأطفال العرب عن فلسطين ودافعت في المحافل الدولية عن حق الطفل الفلسطيني، وليت كان لي عمر أكبر وأكثر حتى أقدم له المزيد.
والآن بعد كل هذه السنوات؛ سبعين يزيد عليها عامان عندما يهل الموت ستبقى هناك كتبي وأوراقي وكتابات متناثرة في البيت مبعثرة، فيها الكثير من الكلمات لم ترَ النور، منها للنشر ومنها ما لم يكتمل.
يكفيني الثقة التي منحني إياها حفيدي “مروان الخطيب” يعيش في السعودية، في حصة المكتبة عندما كان يناظر قصص الأطفال من على الأرفف، لما كان عمره 7 سنوات، قال لمعلمته: “هل تعرفين، جدتي رقية تسكن في عمان تعرف تكتب مثل هذه القصص.”
من هنا وهناك في الأفق البعيد بقي أمل مستدام، انتقل إلى الحفيد لعله في يوم ما يلملم أوراقي المحبوسة في الدرج، ويخرجها إلى واقع مكتوب، وها أنا أرى، بعد موتي كيف ستطلع كتبي من البيت مع رجاء بألّا يخيب، وكلي أمل، كما وصيت بأن يتبرع بها من بعدي للمكتبات وليس لحاوية القمامة في حينا.
رغم بعدي عن فلسطين، والله يشهد أنني، لما جبرني الوقت، غادرتها غصبًا، بقت في داخلي تتنقل معي بين اللد مسقط رأس أبي، والقدس مسقط رأس أمي، وفي رام الله ملاعب الطفولة وليل الاحتلال: حتى الآن ما زلت أسمع صوت حجر يطير في الفضاء، تعقبه رصاصة يطلقها جندي لمناهضة حجر، حجر يعلم المحتل ذات ليلة وفي كل ليلة، سوف ترحل من هنا، ذاكرة فلسطين راسخة في وجداني لكني مضيت وسوف أمضي.
نعم صحيح، قوّتني الحروب لكنها أحزنتني، وعليه بقت تلازمني كلمات صلاح عبد الصبور: “يا صاحبي إني حزين”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى