
شِيفْرَةُ الرَّمَادِ.. وَالشَّرَكُ النَّاعِم
مَعَاطِفُ الخَوْفِ تَسْقُطُ عَنْ عَمْدٍ
عَلَى أَسْفَلْتِ الشَّارِعِ المُبَلَّلِ،
كَأَنَّ المَدِينَةَ
قَرَّرَتْ أَخِيرًا
أَنْ تُطْفِئَ وَجْهَهَا القَدِيمْ.
وَتَقِفِينَ أَنْتِ
خَلْفَ زُجَاجِ المَقْهَى المُعْتِمِ،
بِمَعْطَفٍ أَسْوَدَ
يَحْتَفِظُ بِرَائِحَةِ المَطَرِ
وَفَحْمِ الأَرْجِيلَةِ الخَافِتِ فِي العَتَمَةِ،
وَالأُغْنِيَاتِ الَّتِي كُنَّا نُخَفِّضُ صَوْتَ الرَّادْيُو لِنَسْمَعَهَا وَحْدَنَا.
فِي الخَلْفِيَّةِ
كَانَتْ مُوسِيقَى شهرزاد
تَتَسَرَّبُ بِبُطْءٍ،
وَكَأَنَّ الكَمَانَ
يَفْتَحُ شَقًّا خَفِيًّا
بَيْنَ اللَّيْلِ وَالبَحْرْ.
وَفَجْأَةً
تَعُودُ تِلْكَ الجُمْلَةُ القَدِيمَةُ
مِنْ مَمَرَّاتِ العُمْرِ البَعِيدَة:
“بِنْتٌ بِطَعْمِ القَهْوَةْ…”
كَأَنَّهَا خُرُوشَةٌ دَافِئَةٌ
عَلَى وَجْهِ شَرِيطِ كَاسِيتٍ قَدِيمٍ،
كُلَّمَا أَعَدْنَا تَشْغِيلَهُ
عَادَتْ أَصْوَاتُنَا
أَكْثَرَ بُعْدًا…
وَأَقْرَبْ.
“عُمُرُ الوُشُوشْ
مَا بْتِبْقَى بَعْدَ السِّنِينْ
نَفْسَ الوُشُوشْ…”
أَنْظُرُ إِلَيْكِ
كَأَنَّنِي أَفُكُّ شِيفْرَةَ ذِكْرَى
تَعَرَّضَتْ طَوِيلًا لِلْخَدْشِ،
وَمَا زَالَتْ
تُخْفِي دِفْئَهَا
تَحْتَ كُلِّ هَذَا التَّشْوِيشْ.
كُنْتِ تَبْدِينَ
كَشُرْفَةٍ قَدِيمَةٍ
نَسِيَهَا الضَّوْءُ
فِي آخِرِ الشَّارِعْ،
أَوْ كَمَوْجَةٍ
تَمُرُّ عَلَى كَتِفِ الشَّاطِئِ
دُونَ أَنْ تُوقِظَ وَحْدَتَهْ،
فَتَسْتَيْقِظُ رِيحُ الشَّمَالِ بَغْتَةً
وَتَأْتِي رِيحُ الجَنُوبِ
فَتَمْتَلِئُ العَتَمَةُ بِأَطْيَابِهَا.
وَكَانَ هُنَاكَ طَعْمٌ مُرٌّ يَعْلَقُ بِالوَقْتِ،
يُشْبِهُ قَهْوَةً زَائِدَةً عَنِ الحَدِّ
رَشَفْنَاهَا فِي لَيْلَةٍ
لَمْ نَعُدْ نَعْرِفُ
إِنْ كُنَّا نَحْتَفِلُ فِيهَا
أَمْ نَخْتَبِئْ.
وَكَانَ صَوْتُكِ
يَمُرُّ خَافِتًا
كَكَمَانٍ وَحِيدٍ
يُؤَدِّي مَقْطَعَهُ الأَخِيرَ
قَبْلَ أَنْ يَبْتَلِعَهُ الصَّمْتْ.
وَكَانَ ابْتِسَامُكِ
يَعْبُرُ العَتَمَةَ
بِذَلِكَ الغُمُوضِ
الَّذِي يُبْقِي الوُجُوهَ
أَطْوَلَ مِنْ أَصْحَابِهَا،
كَأَنَّهَا خَرَجَتْ
مِنْ لَوْحَةٍ قَدِيمَةٍ
نَامَ عَلَيْهَا الغُبَارُ طَوِيلًا،
ثُمَّ اسْتَيْقَظَتْ
لِتُذَكِّرَنَا
أَنَّ بَعْضَ الأَشْيَاءِ
لَا تَشِيخُ…
بَلْ تَتَحَوَّلُ إِلَى ذَاكِرَةْ.
وَيَأْتِي ذَلِكَ الصَّوْتُ البَعِيدُ
مِنْ زَمَنٍ نَجْهَلُهُ كَمَا نَجْهَلُ الخِتَامَ،
يَهْمِسُ:
“اجْعَلِينِي كَخَاتَمٍ عَلَى قَلْبِكِ…”
فَالْمَحَبَّةُ هُنَا
لَيْسَتْ خَلَاصًا،
بَلْ طَرِيقَةً أُخْرَى
لِنَحْتَمِلَ كُلَّ هَذَا التَّشْوِيشْ.
وَنَعُودُ مَعًا
إِلَى غُرْفَةٍ ضَيِّقَةٍ
تَتَسَرَّبُ إِلَيْهَا أَصْوَاتُ السَّيَّارَاتِ
وَفَحِيحُ الأَرْجِيلَةِ الخَافِتُ
وَرَائِحَةُ المَسَاءِ البَارِدْ.
نُغْلِقُ اللَّحْظَةَ جَيِّدًا
كَأَنَّنَا نُخْفِي شَيْئًا مُهَرَّبًا
عَنْ عُيُونِ المَدِينَةْ.
فَلَا يَبْقَى
مِنْ كُلِّ هَذَا اللَّيْلِ
إِلَّا أَثَرُكِ العَالِقُ،
وَصَوْتُ الكَمَانِ البَعِيدِ،
وَثُقْبُ الرَّصَاصَةِ الأَخِيرَةِ
فِي جِدَارِ الطَّنِينْ.
وَيَبْقَى السُّؤَالُ
يَدُورُ فِي رَأْسِي
كَأُسْطُوَانَةٍ لَا تَتَوَقَّفْ:
“يَا تُرَى اللِّي بِيِعِيشِ الزَّمَنِ إِحْنَا…
وَلَّا الزَّمَن هُوَّ اللِّي بِيِعِيشْنَا؟”
هَلْ يُعِيدُ الزَّمَنُ
صُوَرَنَا كُلَّ مَرَّةٍ…
ثُمَّ يَتْرُكُنَا
نَبْحَثُ عَنْهَا
بِأَسْمَاءٍ أُخْرَى؟
#Nostalgia_trip