رؤي ومقالات

عمرو صابح يكتب :رأفت الهجان ودوره في حرب 1967 بين الدراما والحقيقة

من المفارقات اللافتة التي تتجدد مع حلول ذكرى الخامس من يونيو 1967 أن كثيرين ما زالوا يتعاملون مع بعض المشاهد الدرامية باعتبارها حقائق تاريخية ثابتة، رغم أن الوقائع الموثقة تروي قصة مختلفة تمامًا.
ولا شك أن حرب يونيو 1967 تمثل ذكرى حزينة ومؤلمة للمصريين، غير أن المعركة التي انتهت بانتصار عسكري إسرائيلي ساحق في العاشر من يونيو 1967 لم تكن نهاية الحرب. فبعد أقل من شهر، وتحديدًا في الأول من يوليو 1967، استؤنفت المواجهة فيما عُرف لاحقًا بحرب الاستنزاف، والتي استمرت حتى الثامن من أغسطس 1970. وخلال تلك السنوات أُعيد بناء القوات المسلحة المصرية من الصفر تقريبًا، وتشكل الجيش الذي عبر وحقق النصر في السادس من أكتوبر 1973.
كما شهدت تلك الفترة إنشاء حائط الصواريخ المصري، الذي وفر الحماية الجوية اللازمة للقوات المسلحة، والذي يرى جميع القادة العسكريين أن عبور قناة السويس ما كان ليتم من دونه. وقد ظلت القوات المصرية العابرة خلال حرب أكتوبر تعمل داخل نطاق حمايته، الذي امتد بنحو خمسة عشر كيلومترًا شرق القناة. وعندما خالف الرئيس أنور السادات تقديرات عدد من قادة الجيش وأصدر أوامر تطوير الهجوم شرقًا، حدثت «ثغرة الدفرسوار». وقد اكتمل بناء حائط الصواريخ ووصل إلى الحافة الغربية لقناة السويس في الثامن من أغسطس 1970، أي قبل وفاة الرئيس جمال عبد الناصر بنحو خمسين يومًا تقريبًا.
ومن أكثر الأمور غرابة أن أعدادًا كبيرة من المصريين والعرب الذين شاهدوا مسلسل «رأفت الهجان» ما زالوا يعتقدون أن المشهد الذي يظهر فيه جنرال إسرائيلي كبير، أدى دوره الفنان حسن مصطفى، وهو يسلم رأفت الهجان خطة الحرب الإسرائيلية قبل الخامس من يونيو 1967، يمثل واقعة تاريخية حقيقية.
في المسلسل يرسل الهجان المعلومات إلى القاهرة، ثم يظهر بعد وقوع الكارثة العسكرية غاضبًا وحزينًا بسبب تجاهل التحذيرات التي بعث بها.
وقد ترسخت هذه الصورة لدى كثيرين حتى أصبحت تُتداول على مواقع التواصل الاجتماعي باعتبارها حقيقة تاريخية، فتكثر التعليقات التي تترحم على رأفت الهجان وتحمل المسؤولين آنذاك مسؤولية إهمال معلوماته «الحاسمة».
غير أن اللواء محمد نسيم، ضابط المخابرات العامة المصرية الذي أشرف على تدريب وتشغيل العميل المصري رفعت الجمال، المعروف إعلاميًا باسم «رأفت الهجان»، قدم رواية مختلفة تمامًا.
ففي مذكراته التي أملاها على الكاتب الصحفي نبيل عمر ونُشرت في كتاب «ذئب المخابرات الأسمر.. الباب السري لجمال عبد الناصر»، أكد أن أهم المعلومات التي قدمها رفعت الجمال كانت تتعلق بالاستعدادات الإسرائيلية للعدوان الثلاثي عام 1956، وأن المسلسل بالغ بدرجة كبيرة في تصوير دوره وأهميته، وهو ما لا يتفق مع الواقع. كما أشار إلى أن مصر امتلكت عملاء آخرين كانت أدوارهم الاستخباراتية أكثر أهمية، لكن أسماءهم وأنشطتهم لم يُكشف عنها.
وعندما تناول الأستاذ محمد حسنين هيكل قصة رأفت الهجان في برنامجه «تجربة حياة»، كرر المعنى ذاته الذي أورده محمد نسيم، الأمر الذي أثار هجومًا واسعًا عليه من بعض الكتاب والمعلقين. غير أن هيكل رد بالإشارة إلى واحدة من أهم عمليات المخابرات المصرية، وهي عملية «عصفور»، التي اعتبرها من أعظم إنجازات المخابرات المصرية.
بعد حرب يونيو 1967 قطعت مصر علاقاتها الدبلوماسية مع الولايات المتحدة بسبب الدور الأمريكي الداعم لإسرائيل خلال العدوان. وبناءً على ذلك أُغلقت السفارة الأمريكية في القاهرة، ولم يعد هناك تمثيل دبلوماسي كامل، بل استمر وجود محدود في إطار بعثة رعاية مصالح تُدار عبر ترتيبات دبلوماسية غير مباشرة، يرأسها قائم بالأعمال.
وكلف الرئيس جمال عبد الناصر المخابرات العامة المصرية بتكثيف عمليات الرصد والمتابعة للبعثة الدبلوماسية الأمريكية والقائم بالأعمال، بهدف معرفة مخططات الأعداء.
ومع بدء تنفيذ هذا التكليف في ديسمبر 1967، تطورت الفكرة عمليًا إلى ما عُرف باسم عملية «عصفور»، وهي عملية استخباراتية استهدفت مراقبة ورصد النشاط داخل مقر إقامة القائم بالأعمال الأمريكي في القاهرة.
استطاعت المخابرات العامة المصرية اختراق الدائرة المغلقة المحيطة بالقائم بالأعمال الأمريكي، فزرعت وسائل تنصت في مقر إقامته، وظلت تتابع ما يدور داخله نحو ثلاث سنوات ونصف، حتى مايو 1971، في واحدة من أبرز عمليات جمع المعلومات في تاريخ العمل الاستخباراتي المصري.
وأضاف هيكل أنه بعد انتصار الرئيس أنور السادات على خصومه في قمة السلطة خلال أحداث مايو 1971، علم بتفاصيل العملية، فقام بإبلاغ كمال أدهم، رئيس المخابرات السعودية آنذاك، الذي نقل المعلومة إلى الأمريكيين، لتنتهي بذلك عملية «عصفور» وتتوقف ميكروفوناتها عن العمل إلى الأبد.
أكد هيكل أن عملية «عصفور» تمثل إنجازًا استخباراتيًا استثنائيًا ولا تضارعها في عظمتها إلا عملية «ألترا» الشهيرة، التي نجح خلالها الحلفاء في فك الشفرة الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية. ولذلك اعتبر أن «عصفور» جديرة بأن تكون موضوعًا لمسلسلات وأفلام وأعمال توثيقية كبرى، لأنها قصة حقيقية موثقة، لا عملًا دراميًا قائمًا على المبالغات أو المعالجات الفنية.
لكن شيئًا من ذلك لم يحدث، وبقيت عملية «عصفور» شبه مجهولة لدى الرأي العام، بينما استمر كثير من المشاهدين المصريين والعرب في التساؤل بحسرة:
لماذا لم يأخذ المسؤولون بتحذيرات رأفت الهجان؟ وكيف أُهملت المعلومات التي أرسلها عن خطة الحرب الإسرائيلية؟
والحقيقة أن التاريخ لا يُفهم من الأعمال الدرامية، مهما بلغت جودتها الفنية أو تأثيرها الجماهيري، فالمسلسلات والأفلام قد تستلهم الوقائع، لكنها لا تُغني عن الوثائق والشهادات والمصادر التاريخية. عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى