تقارير وتحقيقات

كابوس يقظة: كيف تفوقت السوشيال ميديا على الإعلام التقليدي كمصدر للمعلومات؟

كتب:هاني الكنيسي
يقول المثل الإنجليزي: “إذا لم يمكنك إيقاف الريح، فعليك أن تتعلم كيف تُعدّل الشراع”.
في غرف الأخبار الدولية (التي عملت شخصيًا في العديد منها)، ظل هاجس “اليوم الموعود” يتنامى ويتفاقم منذ عشر سنوات ويزيد. ذلك اليوم الذي لن تعود فيه الصحف والقنوات التلفزيونية وحتى المواقع الإخبارية (الإلكترونية) البوابة الأولى للأحداث عند الجمهور، فتتحول إلى مجرد “عنصر” في منظومة أوسع تهيمن عليها منصات التواصل الاجتماعي والفيديو وصناع المحتوى “الهواة”.
أتذكر جيدًا كيف كان كثير من الإعلاميين المخضرمين والمديرين التنفيذيين وبعض أساتذتي يعدّون ذلك السيناريو مبالغة أو نبوءة متشائمة. لكن نتائج “تقرير الأخبار الرقمية 2026” الصادر أمس عن ‘معهد رويترز لدراسة الصحافة’، يؤكد أن اليوم الموعود جاء وأصبح واقعًا قائمًا.
إذ كشف التقرير أن منصات التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو أصبحت المصدر الرئيسي للأخبار والمعلومات على مستوى العالم، متجاوزة للمرة الأولى مواقع المؤسسات الإخبارية التقليدية وتطبيقاتها وحتى نشرات الأخبار التلفزيونية. واستند البحث إلى استطلاع ميداني واسع شمل نحو 100 ألف مستهلك للأخبار الرقمية في 48 سوقاً حول العالم، ليقدم صورة بالغة الدلالة عن التحول الجذري في عادات استهلاك الأخبار واستقاء المعلومات.
الأرقام التي تضمنها التقرير تكاد تكون إعلاناً رسمياً عن نهاية عصر الإعلام “المهني” كما يعرفه أبناء جيلي -وربما جيل لاحق- وبداية عهد الرقمنة الروبوتية وتوظيف التكنولوجيا في “صنع” الأخبار ونشرها عبر نوافذ “فردية”.
فحوالي 30% من المشاركين أكدوا أن تطبيقات السوشيال ميديا والفيديو أصبحت مصدرهم الرئيسي للأخبار، مقارنة بـ22% فقط قبل خمس سنوات. وبدا هذا التحول أكثر حدة على مستوى الشباب؛ إذ أفاد 56% ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و 24 عاماً بأنهم لم يعتادوا قراءة صحيفة بانتظام قط، بينما تراجعت نسب متابعة الأخبار التلفزيونية ومواقع المؤسسات الإخبارية لدى معظم الفئات العمرية باستثناء من تجاوزوا الخامسة والخمسين (كلام جارح).
ووفقا لتقرير ‘معهد رويترز’، لم يعد الخبر يُقرأ فقط، بل “يُشاهد” بالدرجة الأولى. فقد ظهر أن 77% من المبحوثين يشاهدون مقاطع فيديو إخبارية أسبوعياً عبر منصات رقمية اجتماعية، خصوصًا ‘يوتيوب’ و ‘تيكتوك’ و ‘إنستغرام’. وفي معظم الدول التي شملتها الدراسة، تجاوزت “مقاطع الفيديو الإخبارية” قنوات التلفزيون كمصدر للمعلومات، باستثناء مجتمعات محدودة مثل ألمانيا والدنمارك وهولندا حيث لا يزال التلفزيون متقدماً.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في النتائج، هو صعود ما يمكن تسميته “بيئة المؤثرين الإخبارية” Influencers News Eco-system. إذ أشار التقرير إلى أن 27% من المشاركين يحصلون على جزء من أخبارهم من “المؤثرين” وصناع المحتوى الرقمي، بينما قال 10% إن هؤلاء أصبحوا مصدرهم الرئيسي للأخبار. ويوضح الاستطلاع أن متابعي الأخبار لم يعودوا يبحثون عنها بالضرورة في محتوى المؤسسات الإعلامية الكبرى، بل باتوا يتابعون أفراداً عاديين (أغلبهم من الهواة) يقدمون الأخبار والتحليلات والشروح عبر هواتفهم المحمولة!!
هذا التحول الدرامي في أنماط استهلاك الأخبار واستقاء المعلومات ظهرت مؤشراته الأولى في الولايات المتحدة، حيث رصد تقرير حديث صادر عن “مختبر نيمان” Nieman Lab كيف أن المنصات الاجتماعية ومقاطع الفيديو القصيرة أصبحت “المدخل الأول للأخبار” لدى شرائح واسعة من الشباب الأمريكي، بينما تراجعت قدرة المؤسسات الصحفية التقليدية على الاحتفاظ بالجمهور الأصغر سناً. ويشير المعهد البحثي إلى أن المنافسة لم تعد تدور -كالسابق- بين صحيفة وأخرى أو بين قناة تلفزيونية وأخرى، بل بين المؤسسات الإعلامية من جهة وخوارزميات المنصات الرقمية من جهة مقابلة.
ومع ذلك، فإن مشهد انتصار السوشيال ميديا على الإعلام التقليدي في صناعة الأخبار لا يخلو من إشارات تستوجب التأمل. إذ انخفضت “ثقة” Trust الجمهور في الأخبار عالمياً إلى 37% فقط، وهو أدنى مستوى منذ عام 2015. وفي الولايات المتحدة بالتحديد لم تتجاوز الثقة في الأخبار نسبة 25% فقط، وانخفضت إلى 15% بين المنتمين إلى اليمين السياسي.
في المقابل، يتوسع حضور الذكاء الاصطناعي في المشهد الإخباري. إذ ارتفعت نسبة مستخدمي “روبوتات الدردشة” المدعومة بالذكاء الاصطناعي AI Chat Bots للحصول على الأخبار إلى 16% بين من هم دون الخامسة والثلاثين. غير أن 20% فقط من مستخدميها قالوا إنهم يثقون في المعلومات التي تقدمها.
المفارقة اللافتة أن جمهور الأخبار، ورغم تحوّله إلى المنصات الاجتماعية، لا يزال يطالب بالصحافة المهنية. إذ أظهر تقرير ‘معهد رويترز’ أن 45% من المشاركين يفضلون التغطية الإخبارية المحايدة، مقابل 20% فقط يفضلون وسائل إعلام تعكس آراءهم ومواقفهم السياسية. وكأن الجمهور يريد سرعة السوشيال ميديا وجاذبية الفيديو، لكنه يفتقد الدقة والمصداقية التي تتمتع بها المؤسسات الصحفية الراسخة.
ولهذا بدت ملاحظة ‘جيم إيغان’ المشرف على التقرير، معبرةً، حين قال “إن الجمهور يواجه يومياً منافسة شرسة على جذب انتباهه عبر الإنترنت، ولذلك ينقطع البعض عن متابعة الأخبار، بينما يعتمد آخرون على ما يصلهم عبر السوشيال ميديا، في وقت يتزايد فيه الشعور بعدم اليقين بشأن ما يمكن الوثوق به من معلومات”.
وبالنسبة إلى الإعلاميين -من أمثالي- الذين تربوا على تدقيق الأخبار ومقارنة المصادر .. وقبل هذا وذاك، على صخب غرف الأخبار وبهجة العمل الجماعي، فإن أهم ما يقوله تقرير رويترز ليس أن الصحافة -بمفهومها المهني- خسرت المعركة، بل أن قواعد اللعبة تغيّرت. لم يختفِ الجمهور، بل انتقل فقط إلى موقع آخر. ولم تعد الشاشة التلفزيونية نقطة الانطلاق الأولى، بل أصبحت مجرد محطة ضمن رحلة تبدأ غالباً من شاشة هاتف صغيرة. والدرس الأهم أن التاريخ المهني العريق لم يعد كافياً لضمان البقاء، وأن المصداقية وحدها لم تعد تكفي إذا لم تصل إلى الجمهور حيث يوجد بالفعل.
ربما لا يستطيع أحد إيقاف الريح، كما يقول المثل، لكن بإمكان الصحافيين المحترفين تعلم كيفية تعديل الأشرعة للإبحار عبر ظلمات العصر الرقمي الاصطناعي والوصول إلى شطآن الجمهور المتعطش للمعلومة “التي يثق بها”، حتى وإن كان من أبناء الجيل زد المتمرد على كل شيء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى