تقارير وتحقيقات

من هو دبلوماسي “الظل” القطري الذي قرّب مسافات “التفاهم” بين ترمب وطهران؟

كتب:هاني الكنيسي
كان لافتاً في تعليقات الرئيس الأمريكي أمس (الثلاثاء) على هامش قمة مجموعة السبع G7 في إيفيان الفرنسية على الاتفاق الأخير مع إيران، إشادته المطولة بدور قطر وأميرها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الجالس إلى جواره، عندما نسب إليهما دوراً محورياً في إنجاز “التفاهم” الذي أوقف شبح تجدد الحرب. وخلف الكواليس، دارت التساؤلات (الصحفية) عن اللاعبين الذين عملوا بعيداً عن العدسات للوصول إلى تلك النتيجة. وهنا برز اسم الدبلوماسي القطري علي الذوادي، الذي تنسب إليه تقارير أمريكية وإسرائيلية أدواراً مؤثرة في كواليس الوساطات مع الإيرانيين التي سبقت الإعلان عن الاتفاق.
ولعل ما يضفي قدرًا أكبر من الفضول هو أن الاهتمام بدوره وبشخصه كان أوضح في الإعلام الإسرائيلي الذي وصف الذوادي بأنه “أحد مهندسي النفوذ القطري المتنامي في ملفات الشرق الأوسط، بدايةً من غزة وليس انتهاءً بإيران والعلاقات الأمريكية الخليجية”.
المحلل الإسرائيلي المعروف ‘باروخ يديد’ زعم في مقابلة أمس مع القناة العبرية ‘آي نيوز 24’ أن الذوادي كان الشخصية القطرية التي قادت الاتصالات المباشرة مع الإيرانيين خلال الأزمة، مشيراً إلى أنه قام بأربع زيارات إلى طهران وعقد جلسات تفاوض امتدت لنحو عشرين ساعة مع مسؤولين إيرانيين، قبل أن يبلغ المبعوثين الأمريكيين ‘ستيف ويتكوف’ و’جاريد كوشنر’ بأنه نجح في التوصل إلى صيغة تفاهم يمكن البناء عليها. ووفق الرواية ذاتها، فإن “ثلاثتهم” مارسوا لاحقاً ضغوطاً على الرئيس ترمب لدفعه نحو تبني الاتفاق، بينما جرى “تحييد قنوات أخرى” كانت تحاول التأثير في مسار المفاوضات، من بينها -بحسب التقرير العبري- أطراف إسرائيلية مقربة من النتنياهو.
وبغض النظر عن مدى دقة تلك الروايات، فإن تكرار اسم علي الذوادي في التقارير الأمريكية والإسرائيلية خلال العامين الماضيين يعكس أن الرجل تحول إلى أحد أهم الوجوه التنفيذية للدبلوماسية القطرية الحديثة.
فالذوادي لا يشغل منصباً وزارياً تقليدياً، لكنه يعمل مستشاراً لرئيس مجلس الوزراء القطري للشؤون الاستراتيجية، ويتمتع بصلاحيات ونفوذ يتجاوزان الوصف الوظيفي الرسمي. وتقدمه تقارير غربية باعتباره “رجل الظل” الذي يتولى الملفات الأكثر حساسية، بينما تصفه الصحافة الإسرائيلية أحياناً بأنه “سمسار السلطة” Power Broker أو “صانع النفوذ القطري” في بعض الملفات الإقليمية المعقدة.
وتشير تقارير أمريكية، بينها ما نشره موقع Semafor، إلى أن الذوادي لعب أدواراً مؤثرة في إدارة الوساطات المتعلقة بقطاع غزة، وفي الحفاظ على قنوات الاتصال بين قطر وإسرائيل وحركة حماس، خصوصاً خلال مفاوضات تبادل الأسرى ووقف إطلاق النار. وفي وقت كانت فيه التصريحات السياسية تتصدر العناوين، كان الرجل يعمل بعيداً عن الأضواء على تثبيت خطوط التواصل بين أطراف لا تتحدث إلى بعضها بشكل مباشر.
أما أكثر المحطات التي كشفت حجم حضوره في الملفات الحساسة، فكانت تلك التي أعقبت الضربة الإسرائيلية التي استهدفت قيادات من حركة حماس في الدوحة سبتمبر 2025. ومع تصاعد الأزمة الدبلوماسية آنذاك، برز اسم الذوادي مجدداً في تقارير أمريكية وإسرائيلية أكدت حضوره “مكالمة الاعتذار” التي أجراها النتنياهو مع رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني داخل البيت الأبيض في أكتوبر 2025. بل إن مدوّنا أمريكيا من أصول فلسطينية نشر صورة قال إنها التقطت خلال تلك الاتصالات، مدعياً أن النتنياهو التقى الذوادي شخصياً في ختام المكالمة، وهو ما نفاه مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي لاحقاً. لكن مجرد وجوده في تلك اللحظة الحساسة يوضح موقعه داخل الدائرة الضيقة التي تدير أكثر ملفات المنطقة تعقيداً.
وعلى صعيد الملف الإيراني، الذي شكّلت فيه العلاقة القطرية مع طهران إحدى ركائز السياسة الخارجية للدوحة -سواء بحكم الجوار الجغرافي أو المصالح الاستراتيجية المشتركة- اتفقت تقارير متعددة على أن الذوادي شارك في اجتماعات مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال المحادثات الأخيرة، كما تولى نقل رسائل بين أطراف مختلفة في لحظات التوتر القصوى.
ولعل ما يميز الذوادي عن كثير من الدبلوماسيين التقليديين أنه لا يقدم نفسه كمفاوض سياسي فقط، بل بوصفه مديراً للأزمات. فهو ينتمي إلى جيل جديد من المسؤولين القطريين الذين يجمعون بين العمل السياسي والأمني والاستراتيجي، ويتحركون في المساحات الرمادية التي يصعب على الدبلوماسية التقليدية العمل فيها.
وعندما تصفه صحف مثل ‘يديعوت أحرونوت’ و ‘جيروزيلم بوست’ بأنه “رجل المهمات الصعبة” أو “رجل المهمات القذرة”، فهي -بخلاف أن التوصيف لا ينفصل عن أجواء التوتر المتصاعد بين تل آبيب والدوحة- تتحدث عن “مثال عملي” للنفوذ القطري الناعم، الذي يعتمد على إدارة التناقضات بدل الوقوع في براثنها (كما حدث لدول أخرى أكبر حجمًا وأثقل وزنًا في المنطقة).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى