
حين يكشف يوسي كوهين، الرئيس السابق للموساد، بحسب جيروزاليم بوست أن البروفة السرية لعملية سرقة الأرشيف النووي الإيراني جرت في إحدى الدول الإفريقية، فإن الخبر الحقيقي ليس إفريقيا، ولا حتى البروفة نفسها. الخبر الحقيقي هو أن عملية استخباراتية نُفذت عام 2018 يجري استدعاؤها اليوم، بعد ثماني سنوات، لإعادة كتابة سردية سياسية كاملة عن إيران والحروب والاتفاقات النووية.
فالعملية التي يتباهى بها الموساد لم تكن مجرد اختراق أمني ناجح، بل كانت حدثاً سياسياً بامتياز. فمنذ الإعلان عنها استخدمت باعتبارها دليلاً على أن إيران أخفت جوانب من برنامجها النووي، وأصبحت إحدى الركائز التي استندت إليها إدارة ترامب للانسحاب من الاتفاق النووي عام 2018.
واليوم، بعد حربين مع إيران واتفاق جديد وقّعه ترامب في ولايته الثانية، يعود أبطال العملية أنفسهم إلى الواجهة لرواية القصة من جديد.
لهذا لا أتعامل مع الإفصاح الجديد باعتباره كشفاً تاريخياً، بل باعتباره رسالة سياسية موجهة للحاضر.
في منظوري، اختيار كلمة “إفريقيا” دون تحديد دولة بعينها ليس مجرد إخفاء لمعلومة أمنية، بل يعكس تصوراً أعمق لطبيعة العلاقة مع القارة.
إفريقيا لا تظهر هنا بوصفها دولاً ذات سيادة ومؤسسات أمنية وحدوداً وطنية، بل تظهر كحيز جغرافي غامض يمكن أن تُقام فيه نسخة كاملة من منشأة إيرانية سرية، وأن يتدرب فيه عشرات العملاء على واحدة من أكثر العمليات تعقيداً في تاريخ الموساد، دون أن يصبح السؤال الأول: من سمح بذلك؟
إن مجرد الحديث عن القارة بهذا التعميم يعيد إنتاج النظرة القديمة التي تتعامل مع إفريقيا باعتبارها ساحة أحداث وليست فاعلاً فيها، ومسرحاً للتجارب لا شريكاً في صنع القرار.
الأكثر إثارة للاهتمام هو الطريقة التي أُدخل بها اسم المغرب إلى السردية.
ف جيروزاليم بوست تؤكد أنها لا تملك أي دليل على أن المغرب استضاف البروفة، لكنها في الوقت نفسه تستعرض العلاقات العسكرية والأمنية المتنامية بين الرباط وتل أبيب، وتتحدث عن التدريبات المشتركة والتنسيق القائم بين الطرفين.
هنا لا يعود النفي نفياً خالصاً.
فالنص يزرع الاحتمال في ذهن القارئ ثم يتراجع خطوة إلى الخلف قانونياً ومهنياً. إنها تقنية معروفة في صناعة السرد الإعلامي: إلقاء الظل دون تقديم الدليل، ثم ترك المتلقي يملأ الفراغ بنفسه.
وبذلك يتحول الشك إلى قناعة محتملة، دون أن يتحمل الكاتب أو المصدر مسؤولية الإثبات.
لماذا الآن؟
السؤال الأكثر أهمية ليس أين جرت البروفة، بل لماذا يُكشف عنها الآن؟
في تقديري، لأن الماضي يجري توظيفه لخدمة الحاضر.
فالكشف المتأخر يعيد إحياء السردية التي تقول إن الموساد كان محقاً في تقييمه للبرنامج النووي الإيراني، وإن إدارة ترامب كانت محقة في الانسحاب من الاتفاق القديم، وإن المسار الذي انتهى إلى الحروب ثم الاتفاق الجديد كان مساراً مبرراً منذ البداية.
بعبارة أخرى، لا يُستدعى أرشيف 2018 لإخبارنا بما حدث، بل لإقناعنا بأن ما يحدث اليوم هو النتيجة المنطقية لذلك الحدث.
إنها محاولة لإضفاء الشرعية على الحاضر عبر استدعاء نجاح استخباراتي من الماضي.
لكن ثمة مشكلة منهجية أساسية.
فالمصدر الوحيد للقصة هو يوسي كوهين نفسه، أحد مهندسي العملية وأبرز المستفيدين من نجاحها الرمزي والسياسي.
لا يوجد تأكيد إفريقي. ولا اعتراف رسمي من الدولة المضيفة المفترضة. ولا شهادة مستقلة يمكن أن تتحقق من التفاصيل الجديدة المطروحة.
لذلك فإن ما نقرأه ليس حقيقة مكتملة بقدر ما هو رواية طرف رئيسي في الحدث عن نفسه.
ومن الناحية المعرفية، تبقى هذه شهادة تحتاج إلى تدقيق مستقل، لا مجرد إعادة نشر.
ما يلفت الانتباه في هذه القصة ليس نجاح العملية بحد ذاته، بل التحول الذي تمثله.
فأجهزة الاستخبارات كانت تاريخياً تعمل في الظل وتترك السياسيين يفسرون النتائج.
أما السؤال الذي يظل معلقاً فوق كل هذه الروايات فهو ليس أين كانت البروفة، بل من المستفيد من الكشف عنها الآن؟
هناك، تحديداً، تبدأ القصة الحقيقية. عرض أقل