رؤي ومقالات

محمد عدنان بن مير يكتب:سيادة على المحك وأمن في مأزق: التنافس الدولي حول المضائق البحرية في الشرق الأوسط والخليج العربي

تُعدّ منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي من أكثر المناطق حساسية في النظام الدولي المعاصر، نظرًا لموقعها الجغرافي الاستراتيجي وما تزخر به من موارد طبيعية وممرات بحرية حيوية تشكّل عصبًا أساسيًا للتجارة العالمية، ولا سيما في مجال نقل الطاقة. وتحتلّ المضائق البحرية في هذه المنطقة مكانة خاصة، باعتبارها نقاط عبور إجبارية تربط بين بحار ومحيطات ذات أهمية اقتصادية وأمنية كبرى. وقد جعلت هذه الخصوصية من المنطقة محلّ اهتمام متزايد من قبل القوى الكبرى، التي باتت تنظر إلى النفوذ في هذه المضائق باعتباره ضرورة استراتيجية لحماية مصالحها الحيوية.

وأدّى هذا الواقع إلى احتدام التنافس الدولي حول المنطقة، متخذًا أشكالًا سياسية واقتصادية وعسكرية متداخلة، انعكست آثارها على استقرار الدول المعنية ووظائفها الأساسية. ومن هنا تطرح الدراسة الإشكالية الرئيسة الآتية: إلى أي مدى أسهم التنافس الدولي حول المضائق البحرية في الشرق الأوسط والخليج العربي في تقويض الاستقرار الإقليمي ومقومات الدولة الوطنية؟ ويتفرّع عن هذه الإشكالية تساؤل حول طبيعة هذا التنافس وحدوده، وتساؤل آخر حول انعكاساته على السيادة، والتنمية، والأمن الوطني.

إن الأهمية الاستراتيجية للمضائق البحرية في الشرق الأوسط والخليج العربي تنبع أساسًا من دورها المحوري في ضمان انسياب التجارة العالمية، حيث تمر عبرها نسب كبيرة من صادرات النفط والغاز، ما يجعل أي تهديد لأمنها عاملًا مؤثرًا في استقرار الاقتصاد الدولي. وإلى جانب هذا البعد الاقتصادي، تمثل هذه المضائق قيمة عسكرية وأمنية عالية، إذ تُعد نقاط ارتكاز في الاستراتيجيات البحرية للقوى الكبرى، ومجالات حيوية لإسقاط النفوذ والتحكم في موازين القوة الدولية.

وفي ظل هذه الأهمية، اتخذ التنافس الدولي حول المضائق البحرية طابعًا مركبًا، تجاوز مجرد حماية الملاحة إلى السعي لفرض ترتيبات أمنية دائمة، وتعزيز الوجود العسكري، وبناء التحالفات الإقليمية. وقد أسهم هذا التنافس في تحويل المنطقة إلى فضاء صراع غير مباشر، تتداخل فيه المصالح الدولية مع الأوضاع الداخلية للدول المطلة على هذه المضائق، مما زاد من هشاشة البيئة الإقليمية وعمّق حالة عدم الاستقرار.

ولم تتوقف انعكاسات هذا التنافس عند حدود الأمن الإقليمي، بل امتدّت لتشمل مسارات التنمية داخل الدول المعنية، حيث أدى تصاعد التهديدات الأمنية إلى توجيه الموارد الوطنية نحو الإنفاق العسكري والأمني على حساب التنمية الاقتصادية والاجتماعية. كما ساهمت الضغوط والتدخلات الخارجية في تعطيل المشاريع التنموية، وإضعاف قدرة الدولة على وضع سياسات تنموية مستقلة ومستدامة.

ومن زاوية القانون الدستوري، يمسّ هذا الواقع بشكل مباشر مفهوم السيادة، إذ يؤدي تكثيف الوجود العسكري الأجنبي وفرض ترتيبات أمنية خارجية إلى تقييد سلطة الدولة العليا على إقليمها، بما في ذلك مجالها البحري، ويحدّ من استقلالية قرارها السياسي. كما ينعكس التنافس الدولي على الوظيفة الأمنية للدولة، التي تُعدّ من صميم اختصاصاتها الدستورية، حيث يؤدي تعدد الفواعل الأمنية وتداخل الأدوار الدولية إلى إضعاف احتكار الدولة لاستخدام القوة المشروعة، وهو ما يخلّ بالتوازن الدستوري بين السلطة والأمن.

أما على مستوى الاستقرار السياسي، فإن هذا التنافس يسهم في زعزعة التوازنات الداخلية، وتأجيج الانقسامات، وإضعاف شرعية المؤسسات الدستورية، نتيجة ارتهان القرار الوطني لحسابات خارجية. ويؤدي ذلك إلى تقويض الثقة بين الدولة والمجتمع، وإضعاف دولة القانون، بما يجعل الاستقرار السياسي هشًا وقابلًا للاهتزاز مع كل تحول في موازين القوى الدولية.

يتبيّن مما سبق أن التنافس الدولي حول المضائق البحرية في الشرق الأوسط والخليج العربي لا يقتصر على كونه صراعًا على ممرات استراتيجية، بل يتجاوز ذلك ليشكّل عاملًا بنيويًا مؤثرًا في استقرار المنطقة والدولة الوطنية. فقد أسهم هذا التنافس في إضعاف السيادة، وتعطيل الوظيفة الأمنية للدولة، وتقويض الاستقرار السياسي، فضلًا عن إعاقة مسارات التنمية والاستقرار المؤسسي.

وأمام هذه التداعيات، تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في مقاربات إدارة الأمن البحري، على نحو يعزّز التعاون الإقليمي ويحدّ من منطق الصراع والنفوذ، مع تفعيل قواعد القانون الدولي بما يضمن للدول المعنية ممارسة سيادتها الكاملة وحماية أمنها الوطني. وهو ما يفضي إلى إشكالية مستقبلية جوهرية مفادها: هل تستطيع دول الشرق الأوسط والخليج العربي بلورة نظام إقليمي دستوري وأمني مستقل يقلّص من حدة التنافس الدولي ويؤسس لاستقرار وتنمية مستدامة؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى