كتاب وشعراء

عصيان.. قصّة قصيرة بقلم الكاتبة: زينب ندجار

كانت المدينةُ تُتقنُ هندسةَ الطاعة؛
تُعلِّقُ النهارَ على مساميرِ الخوف، وتُعلِّمُ الظلالَ كيف تمشي وراء أصحابها.
وفي فجوةٍ صغيرةٍ من النسيان، وُلد عابرٌ لم يتعلَّمْ لغةَ الانحناء.
لم يكن يحملُ سلاحاً سوى اتِّساعِ نظرته، ولا يتركُ خلفه أثراً سوى ارتباكِ اليقين. كان كلما مرَّ، انحرفت الأزقةُ قليلاً عن خرائطها، كأن الحجرَ يكتشفُ أن له ذاكرةً أخرى غير الصمت.
قالوا:
في عينيه عصيان.
لكنهم لم يدركوا أن العصيانَ ليس رفضًا للعالم، بل رفضٌ للقفص حين يتنكَّرُ في هيئةِ وطن، وللسلاسل حين تُسمَّى فضيلة، وللصمت حين يرتدي قناعَ الحكمة.
كلما شيَّدوا جداراً، أودع في شقوقه بذرةً من الضوء. سخروا منه طويلاً، لأن الضوءَ لا يُزرَع.
غير أن الجدارَ بدأ، مع الأيام، يُنبتُ نوافذ.
وصار الهواءُ يعبرُ من الجهات التي لم تُخلق للعبور، حتى نسيت الحجارةُ صلابةَ أسمائها، وأخذت تتعلَّمُ هشاشةَ النور.
وفي صباحٍ بلا نبوءة، سقط حجرٌ واحد.
لم يسقط لأن يداً دفعته، بل لأن الصمتَ الذي حمله طويلًا صار أثقلَ من احتماله.
حينها، لم يتغيَّر شيءٌ في المدينة…
إلا أن السماءَ اقتربت قليلًا من العيون، والوجوهُ التي كانت تُحدِّق في الأرض، اكتشفت فجأةً أن للرقاب ذاكرةً خُلقت لتلتفت إلى الأعلى.
أما العابر…
فلم يلتفت وراءه.
كان يدرك أن العصيانَ الحقيقيَّ لا يهدمُ الجدران، بل يجعلها تستيقظُ على هشاشتها، حتى تسقطَ ذات يومٍ من تلقاءِ نفسها.

زينب ندجار – المغرب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى