
حتى لو تحطمت بعض الروابط القديمة من كثرة الطرق، فلا تزال روابط كثيرة تجمعنا. نحن مثلاً شركاء في الأمل وشركاء في أغاني الستائر التي مرق منها الوقت، وشركاء في التجاعيد العلامات المضيئة التي تعكس مرور الأيام وآثار مخالب الوحوش، شركاء في الكوابيس، وفي النحيب الليلي الصامت.
شركاء في صور الأبيض والأسود، وفي الاحلام المجهضة، في المنعطف القادم الذي قد يخبيء لنا حديقة أو مجزرة. نحن شركاء في الاهانات على مقاعد الدراسة و في الشوارع وفي غرف التعذيب. شركاء في الحنين الى تلك اللحظات المسروقة من أنياب الوحش.
نحن كما قال الشاعر الروسي يفغيني يفتوشينكو :
( نحن لا نشيخ بفعل الشيخوخة ولا بسبب ما عشناه من سنوات، بل نشيخ من جرّاء التعب، وبسبب الآثام والإهانات. بفعل الحزن والقدر المحتوم،
وبفعل حب لم يكتب له النجاح، بسبب فقدان الأمل في هذي الحياة،
وبسبب ذلك الصخب اليومي. بسبب الهموم التي تتضاعف وحسب،
والمشاكل التي لا حلَّ لها.
نحن نشيخ قبل الأوان لأن أرواحنا تصاب باليأس والإحباط).
نحن شركاء في الخوف من الحضور الاجباري لمشاهد الاعدام وفي الحضور في اليوم نفسه في مظاهرة عن نصر لم يتحقق إلا في نشرة أخبار.
شركاء أيها الأصدقاء في ذكريات تقطع علينا طريق الخط السريع ونحن في صيف ساخن. شركاء في الكذب في أن الغد أفضل وان الماضي مات.
شركاء في الحنين للرغيف الحار وفي اراجيح عيد لم يعد موجودا سوى في صور الالبوم. شركاء في الألم والفجيعة والخطر كنزلاء عمارة تحترق أو مصعد عاطل أو باخرة تغرق أو طائرة تهوي. الخطر يخلق هوية جديدة بين الناس من أعراق وهويات وانتماءات مختلفة.
نحن شركاء في حجم أقفال المنازل والكاميرات وفي الحيطان العالية وفي حديد النوافذ علامات الخوف التي تكشف طبيعة الأمن والنظام السياسي. شركاء في الحياة المسروقة وفي الحب في زمن الوباء وفي الحنين الى زمن أعشاش السنونو في غرف النوم. أيتها السنونوة لماذا هجرت عشك؟
هذه فرصة للاطلالة على جدراننا الداخلية للعزل النفسي والفكري والثقافي والطائفي والطبقي،
فرصة لتأمل عمق الروابط الجديدة لأننا شركاء في الأرض والمصير والمستقبل والأمل وفي الحلم.
كيف تختفي كل تلك الروابط العميقة الجذور وتحل مكانها جدران العزل؟
يتحدث المفكر فرانسوا فوركيه في كتابه:” المال، القوة، الحب”
عن جارين غبيين متخاصمين لا يكلمان بعضهما بسبب اختلاف الافكار،
الجار الأول: يملك حقل أزهار يعيش به. الجار الثاني: يملك حقل نحل يعيش من بيع العسل.
نحل الثاني يلقح أزهار الأول، لكن أزهار الأول ضرورية لنحل الثاني.
النحل والأزهار خلقا رابطة اقتصادية متينة يعيش هذا الأحمقان بسببها دونما وعي. كيف تختفي كل تلك الروابط بيننا؟ ولماذا لا نهدم جدران العزل؟
ـــــــــــــــــ الصورة: سياج من الأشجار ومن أعشاب الحديقة بيني وبين الجيران كما لو اننا شركاء في ثقافة احترام المسافات وفي شراكة الرؤية البصرية للفضاء المفتوح وفي الحرية الشخصية وفي العدالة بلا شعارات ولا صور : المكان صورة ثقافية بلا أقفال كبيرة ولا كاميرات ولا حيطان عالية تعكس نوع الطمأنينة وديمقراطية الزهور. شركاء في الشرفات المفتوحة والسماء المشرقة وفي النوافذ المفتوحة على الريح وفي هذا الضوء الساطع الذي كان سيصدم الفنان فان كوخ