
لم يحدث في التاريخ ان قامت سلطة بكتابة تاريخ الفقراء والمهمشين لانها لو فعلت ذلك ستكشف نفسها وتتحدث عن انتصارات ومكاسب وانجازات وكل سرديات السلطة كاذبة ومثلها سرديات الجماعات والاحزاب وخاصة في ما يتعلق بالمختلفيـن، أي أن الجزء الجوهري من تاريخ الحاضر كاذب ومكتوب بدوافع رغبية.
اللغة السياسية مصممة في الأصل على الكذب ومن هنا تعارض وتناقض الخطاب السياسي والخطاب الروائي.
لكن ما يفسد عليها تزوير التاريخ هو رواية المثقف والفنان والمفكر المستقل والخطاب الروائي وهو خطاب التاريخ من الاسفل history from below ومن المسكوت عنه والمحجوب ومن مخلوقات القاع والعتمة والحافات.
كان ابن خلدون اول مثقف جعل التاريخ رواية الهامشي والمخفي ونقله من الصالونات الى الشوارع والعامة. التاريخ الحقيقي لا يوجد في خطابات السلطة ولا سرديات الاحزاب ولا وعودها ولا في حفلاتها وطقوسها ولا في وثائقها التي يغرم بها المؤرخون،
بل التاريخ في الجوانب الخفية وفي مدن وبشر الحافات خارج النظام والهامشيين.
مذبحة الجنود العراقيين في جبل هندرين منسية كما لو انه من الطبيعي أن يُقتل الجنود ويمكن فهم هذا الغياب من سرديات نظم الحكم والأحزاب لكن كيف يمكن فهم هذا الغياب من الأدب العراقي وخاصة الرواية؟ بدون كتابة التاريخ الحقيقي لا يمكن بناء ذاكرة حقيقية. لا يتأسس المستقبل على ذاكرة مزورة ومشوهة لانها ستكرر الكوارث كما حدث ويحدث، اليوم.
كتاب اسبانيا كمثال لم ينسوا الحرب الاهلية عام 1937 واخر ما صدر عنها رواية” جنود سالامينا” عن الحرب الاهلية الاسبانية عام 1937 وتركت ضجة في اسبانيا واوروبا عند صدورها عام 2001 والنقاش مستمر عن تلك الحرب رغم مرور عشرات السنوات على نهاية الحرب الاهلية.
تلتقي رواية” جنود سالامينا” مع مذبحة جنود هندرين في مشترك واحد عبر عنه خافيير سيركاس في هذه العبارة:” إننا نستطيع مواجهة شهود الزور عن طريق الاصغاء الى شهادات المقصيين والجنود والمهمشين”. طريقة مواجهة شهود الزور هي رواية قصصنا المضادة.
أي ان التاريخ الحقيقي في المنسي والهامشي والمسكوت عنه وليس في سجلات السلطة والأحزاب بل في شهادات الضحايا.
مذبحة هندرين لم تكن معركة بل خديعة قاتلة جرت عام 1966 في جبل هندرين وكانت تتواجد فيه القوات العراقية مع وحدات سورية ولم تكن في وضعية قتالية بل كانت مفاوضات،
لكن الموساد والبرزاني والحزب الشيوعي نصبوا فخاً وخدعة للجيش عن هدنة وتفاوض ثم انقضوا على الجنود وهم في حالة غفلة.
أبيد أكثر من ثلاثة ألوية مشاة وآلاف القتلى من الجنود واتهمت الحكومة العراقية آنذاك قوات البيشمركة والشيوعيين والموساد بإعدام ميداني نحو 2000 من الجنود الأسرى بعد السيطرة على الموقع، أضعاف مجزرة سبايكر.
كتب الشاعر الفريد سمعان قصيدته: ” مقاتل من هندرين” عن بطولات الحزب الشيوعي في تلك المجزرة الشنيعة والقصيدة موجودة اليوم في ديوانه: “الربان”.
لكن المشكلة أو الفضيحة أنك لو وضعت الآن في غوغل عبارة” الرفيق أبو هندرين وأم هندرين”ستخرج عشرات الاسماء من الشيوعيين الذين أطلقوا
إسم هندرين على بناتهم على أساس أن هندرين معركة ثورية،
في حين كانت مذبحة مخجلة ضد جنود أبرياء وفقراء وغالبا ما كانوا من الجنوب لا ناقة لهم فيها ولا جمل ومن هنا الاهزوجة عند قدوم الجنازات:
” طركاعة اللّفت برزان ــــ بيّس بأهل العمارة”.
الأحزاب والجماعات التي تطرح نفسها ” كضحية” نظم حكم نحن أيضا ضحاياها من كل القوميات والمذاهب، وتتظاهر بالنقاء العرقي والسياسي وتطالب بالتعويض عن الابادة بحقها ، تعفي جرائمها بحق الجنود الاسرى مرات ومرات.
وتعتقد ان تلك الحوادث منسية في الجبال بلا شهود لكنها لا تعرف ان كل شيء موثق في ذاكرة الناجين ومراكز ابحاث وسجلات وزارة الدفاع وفي مذكرات ضباط وحتى شهادات الموساد.
اذا كان يجب فتح تاريخ الابادة، فيجب ان يفتح على الجميع بما في ذلك ابادة العلماء والاطباء ورجال القانون وغيرهم بعد الاحتلال بالتعاون مع الموساد، أو يتم غلق هذه الصفحة عن طريق الاعتراق الوجداني الصادق وسياسات التصالح مع الماضي والبدء من جديد بلا هروب للماضي لكي ينسى الناس الفساد واللصوص والحقوق من خلال التخويف بذاكرة الدم.
هذا التلقين الببغائي هو سمة سائدة لدى غالبية المؤدلجين في قضايا كثيرة،
ومن الصعب تفسير كيف تم هذا التلقين ومسخ الشخصية وحشوها بشعارات فارغة ووقائع كاذبة صعدوها الى مستوى اليقين؟ من الغريب ان هذا التلقين مر بنفس مراحل ترويض وتلقين الحيوانات: التكرار. المكافأة. العقاب مع اختلاف العناوين في السياسة: الانضباط الحزبي. التلقين عن طريق المنشور والتوجيه والتعليمات. التكريم. التجميد او العقاب.
عندما يتعايش الانسان مع أوهام لسنوات طويلة وتتحول الى حقائق يصبح من الصعب جدا تغييرها في ضوء حقائق جديدة لانها لم تعد مجرد افكار حوادث بل حفرت مسارات عصبية في الدماغ وصارت جزءاً من النسيج العضوي يستحيل في حالات تغييرها لكنها تمنح عنواناً للخداع الذاتي:” الثبات المبدئي”. هو نوع من الحرن وغرز الحوافر في الأرض.
ــــــــــــ1: الصحفي الإسرائيلي شلومو نكديمون (المعروف عربياً بشليمون نكديمون) وثّق في كتابه “الموساد في العراق ودول الجوار: انهيار الآمال الإسرائيلية والكردية” (العنوان الأصلي بالإنجليزية: A Hopless Hope) تفاصيل الدعم الاستخباراتي والعسكري الإسرائيلي للحركة الكردية في العراق. وقد تطرق الكتاب إلى معركة جبل هندرين (مايو 1966) باعتبارها هزيمة عسكرية قاسية مُني بها الجيش العراقي على يد قوات البيشمركة والموساد بالتفصيل مع ذكر اسماء ضباط الموساد الذين خططوا وقادوا المذبحة ـــــــــــــــ الكتاب مترجم للعربية ومتوفر على الشبكة.
ـــــــــــــ 2: عدد ضحايا مذبحة قصف بلدة غرنيكا الاسبانية من سلاح الجو النازي في 26 أبريل 1937 التي خلدها بيكاسو في لوحته الشهيرة غرنيكا ، حسب تقديرات حكومة الباسك تشير إلى مقتل 1,654 شخصاً، بينما تقديرات دراسات تاريخية إسبانية حديثة تشير إلى أن العدد يتراوح بين 126 و153 قتيلاً، وبصرف النظر عن العدد لكن هذه الجرائم لا يجب ان تُنسى بلا تذكير القتلة بالجريمة لكي لا تتكرر. كشف الجريمة نوع من العقاب كما أن ذاكرة النسيان حليف القتلة وسبب تكرارها وهو ما حدث مرات ومرات.
ــــــــــ 3: الصورة: البرزاني الاب والى يساره ابنه إدريس والى يمينه أوري ساغي رئيس وحدة العمليات الخاصة في الموساد بعد معركة هندرين. أوري ساغي (Uri Sagi) هو لواء متقاعد في الجيش الإسرائيلي، وولد في 5 أغسطس 1943. شغل مناصب عسكرية رفيعة، أبرزها رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) وقائد المنطقة الجنوبية وقائد لواء جولاني. عرض أقل