رؤي ومقالات

حسام السيسي يكتب:حين تبوح الجغرافيا بحكمها: تأملات إبستمولوجية في لحظة الإعدام

لم تكن دمشق التي نعرفها، تلك المدينة التي تتهادى في الوعي الجمعي كقصيدة مترفة، هي ذاتها التي وقفت أمام قاضي الجنايات. هناك دمشق أخرى، طائفية في صميم مؤسساتها، قائمة على إقصاء ممنهج، حيث يكون الانتماء للعائلة أكبر من الانتماء للوطن، وحيث يُعاد إنتاج السلطة عبر الزواج والمصاهرة لا عبر الانتخاب.

عندما أُعلن الحكم بإعدام بشار وأخيه ماهر غيابيا وابن خالته عاطف نجيب حضوريا، لم أسمع خبراً قانونياً،سمعت لحظة إبستمولوجية نادرة، لحظة انكشاف الحقيقة بعد أن كانت محجوبة بقوة السلاح وقوة الخطاب. فالعدالة هنا ليست عقاباً فقط، بل استعادة لمعنى الكلمة التي ضاعت معنى أن الدم السوري ليس رخيصاً، ومعنى أن التاريخ ليس مجرد رواية يكتبها المنتصر، بل هو تراكم من الألم يصبح فجأة واضحاً كالنص المنقوش على حجر.
….
كثيرون تحدثوا عن الطائفية كحالة عابرة، كرد فعل على الإرهاب أو كتشنج سياسي. لكن من كان معنا في البدايات، يعرف أنها كانت الهندسة الداخلية للنظام. لم تكن طائفية بشار مجرد ميول شخصية، بل كانت نظاماً معرفياً: طريقة لرؤية السوريين، تصنيفهم إلى موالٍ ومعارض، سني وعلوي، ومسيحي ودروزي. كانت الطائفية هي الأبستمي نفسه الذي يُنتج السياسة، لا مجرد هامش فيها.

عندما يجلس القاضي ويصدر حكماً بإعدام رموز هذه البنية، فهو لا يعدم أشخاصاً فقط، بل يعدم منطقاً كاملاً كان قائماً على أن “الآخر” يجب أن يُخضع أو يُقتل. هذه هي اللحظة التي يصبح فيها القانون أكثر من قانون، يصبح فلسفة تصحيح للذائقة السورية.

قد يظن البعض أن الفرح بالحكم هو فرح عاطفي. لكن الأمر أعمق. الفرح هنا هو دليل إبستمولوجي على أن الضحية كانت على حق. عندما رأيت ضحايا المعتقلات والمجازر يرفعون أكفهم بالدعاء، لم يكونوا يفرحون بالانتقام، بل كانوا يفرحون لأن أحاسيسهم لم تخدعهم. كانوا يفرحون لأن السنوات التي قضوها وهم يقولون “هذا النظام ظالم” لم تكن مجرد مشاعر ذاتية، بل كانت قراءة صحيحة للواقع.

الفرح في هذه اللحظة هو اعتراف الجميع بأن الضحايا كانوا أكثر وعياً من “العقلاء” الذين نصحوهم بالصبر أو التهدئة. إنه انتصار الإبستمي الشعبي على الإبستمي السلطوي.
الإعدام هنا، في سياقه الرمزي، ليس مجرد عقوبة بدنية. إنه إعلان موت فكرة فبشار وأخوه وابن خالته ليسوا مجرد أسماء، بل هم شجرة عائلة تحولت إلى شجرة حكم. هذه الشجرة كانت تمثل النموذج الأسدي في الحكم نموذج الاستئثار، نموذج توريث السلطة، نموذج تحويل الدولة إلى مزرعة عائلية.

عندما يُحكم عليهم بالإعدام، يُحكم على هذه الفكرة بأنها لم تعد صالحة للحياة. وهذا هو الحدث الأبستمولوجي الأهم أن مجتمعاً كالسوري، الذي عانى من الاستبداد الأسري، يقرر بأن الدم الملكي لم يعد يملك شرعية الدم. لم يعد هناك “دم مقدس”، بل أصبح هناك “دم مسؤول” أمام القانون.

أما أنا، الذي كنت ضيفاً شبه دائم على “تلفزيون سوريا اليوم”، لم اكن اقدم تحليلا فقط، كنا نقدم تأويلا مضادا للسائد،كنا نحاول تفكيك الخطاب الرسمي، كلمة كلمة، كانت مهمة إبستمولوجية كنا نعلم العالم كيف يقرأون الواقع السوري كيف يميزون بين الحقيقة والدعاية.
تلك التجربة جعلتني أعرف أن الحقيقة ليست مجرد معلومة، بل هي بناء تدريجي. ولهذا عندما صدر الحكم، شعرت بأن كل تلك التفسيرات، وكل ذلك العناء، قد وجدت معناها النهائي. لم أكن فرحاناً لأن القاضي قال كلمة، كنت فرحاناً لأن السنوات قالت كلمتها.

لن تتكرر هذه اللحظة، فهي لحظة فريدة في التاريخ السوري، حيث يتلاقى الزمن السياسي مع الزمن الأخلاقي كل ثورة لها لحظة تتويجها، لكن ثورة السوريين كانت مختلفة،،لأنها لم تسقط رئيساً فقط، بل سقطت منظومة كاملة من التزييف. كان النظام الأسدي بارعاً في تزييف الوعي، حتى صار بعض السوريين يشككون في عيونهم. اليوم، مع هذا الحكم، نستعيد ثقتنا بأن أعيننا كانت صادقة، وأن قراءتنا للمشهد كانت أكثر دقة من كل الاستشارات السياسية الغربية والشرقية.

اعتقد ان الإعدام ليس نهاية القصة، بل بداية كتابة جديدة. كتابة يعيد فيها السوري تعريف نفسه خارج الظل الأسدي. كتابة تكون فيها دمشق مدينة للجميع، لا عاصمة لعائلة. كتابة يكون فيها الألم مرجعية أخلاقية تُذكّرنا بأن الحرية ليست كلمة، بل هي عملية إعادة بناء للوعي بعد عقود من الهدم.
….
لقد فرحت اليوم، ليس لأن أحداً ما سيموت، بل لأن الحقيقة ولدت أخيراً في قاعة المحكمة وكل ضحية كانت تنتظر هذه الولادة، تعرف أنها لن تموت عبثاً.
هكذا أفكر، وهكذا عشت الثورة كمعركة على المعنى، قبل أن تكون معركة على الأرض.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى