تقارير وتحقيقات

“تسريبات” الضبعة النووية: بين المحاذير الهندسية “الواقعية” والحسابات الإسرائيلية “السياسية”

كتب :هاني الكنيسي
بخلاف ما تثيره تسريبات مجلة ‘بوليتيكو’ Politico الأمريكية عن “إشكاليات فنية وخروقات أمنية” محددة، من قلق “مشروع” وله وجاهته بشأن إجراءات الأمان والسلامة الهندسية في محطة الضبعة النووية (وهو ما يستحق ردًا مقنعا من الجانب المصري الرسمي بعيدا عن البيانات الفضفاضة، خصوصًا في ضوء التاريخ المشوب بعلامات الاستفهام على مشروعات بتكنولوجيا روسية مماثلة)، فلا يمكن قراءة الاهتمام “الاستثنائي في الإعلام العبري بالموضوع بعيدًا عن الأجندة السياسية.
فالتقارير المنشورة تزامنًا في ‘معاريف’ و’يديعوت أحرونوت’ و’جيه فيد’ وغيرها من مواقع إسرائيلية، تتناول باستفاضة ما نشرته ‘بوليتيكو’ من فقرات الوثيقة السرية التي أرسلتها “هيئة المحطات النووية المصرية”، بتاريخ 4 يونيو الماضي، إلى مسؤول رفيع في شركة ‘روساتوم’ Rosatom الروسية (الشريك التكنولوجي الذي يتولى تنفيذ المشروع)، بشأن “نواقص” في بعض وحدات المفاعل النووي و“إهمال متعمّد” من بعض الأطراف، بقدر وافر من “الشماتة” وبقدر أكبر من سهام “التشكيك” في أهلية المشروع الاستراتيجي الذي تراهن عليه مصر لمستقبل طاقتها النووية.
المذكرة المسرّبة تشير إلى “عيوب متكررة” في الخرسانة، بينها فراغات خلف بطانة معدنية في الوحدة الرابعة، وعيوب في ألواح الأساسات في الوحدات 1 و 2 و 3 استغرق إصلاحها قرابة عام، إضافة إلى “خلل في الجدار الأسطواني لمبنى المفاعل في الوحدة الرابعة”.
كما تتهم الوثيقة “السرية” بعض الجهات بتقديم بيانات مضللة حول تقدّم البناء، عبر أساليب توحي بأن أكثر من نصف المشروع اكتمل، بينما أظهرت المعاينة أن أجزاء أساسية من “الجزيرة النووية” التي تتولى ‘روساتوم’ تنفيذها، ما زالت في مراحل إنشائية تحت الأرض.
بل ويذهب التسريب إلى الإشارة لخروقات “أمنية” في الموقع، بينها حيازة عمال روس لمشروبات كحولية محظورة داخل المنشأة، واستخدام بطاقات تعريف مزوّرة، بل وانتحال هويات للدخول إلى مناطق غير مصرح بها.
وتشير الوثيقة أيضاً إلى وصول “صور ومقاطع فيديو” من داخل الموقع إلى منصات التواصل الاجتماعي، ما اعتبرته السلطات المصرية “إضراراً بسمعة المشروع”.
هذه “الضجة” تأتي بعد شهر تقريبًا من احتفال القاهرة يوم 9 يوليو الماضي، بتركيب “وعاء ضغط المفاعل” Reactor Pressure Vessel للوحدة الثانية في محطة الضبعة، بحضور رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، ومدير عام شركة ‘روساتوم’ الروسية، ومدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية ‘رافائيل غروسي’.
وجدير بالتسجيل أن ‘روساتوم’ علّقت على “التسريبات” بالتأكيد على أن “العمل يسير وفق الجدول الزمني المحدد”، وأن المحطة تلتزم “أعلى معايير الجودة والسلامة النووية”.
محطة الضبعة ليست مجرد مشروع لتوليد الكهرباء، بل أضخم وأهم مشروع للطاقة في تاريخ مصر الحديث يضمها إلى نادي الدول ذات التكنولوجيا النووية، بمحطة حديثة من طراز VVER‑1200 وبقدرة إجمالية تبلغ 4,800 ميغاواط.
وهو تطور تراقبه إسرائيل بشغف وقلق، منذ توقيع اتفاق الشراكة النووية بين القاهرة وموسكو عام 2015، والذي نصّ على بناء أربع وحدات من تلك المفاعلات الروسية.
والمؤكد أن من مصلحة إسرائيل “التشكيك” في أي مشروع نووي عربي، حتى لو كان مدنياً، ناهيك أن التعاون النووي بين القاهرة وموسكو يضيف طبقة أخرى من قلق أولاد العم الذين لا يرتاحون إلى أي ارتباط مصري خارج “دائرة التكنولوجيا الغربية” المقيّدة دائما بـ”سقف أمان”، غير مسموح لغير إسرائيل بتجاوزه، وبتسهيلات خلفية للاطلاع على تفاصيلها ودواخلها (وللسبب نفسه يظهر القلق الإسرائيلي تجاه أي تعاون مصري عسكري أو تقني مع الصين).
مشروع محطة الضبعة النووية بدأ التخطيط له منذ ثمانينيات القرن الماضي لكنه تعثر مراراً بسبب عوامل سياسية وظروف اقتصادية، قبل أن يعود بقوة في عام 2015 إثر توقيع الاتفاق الروسي المصري. وفي عام 2022 بدأت الأعمال الإنشائية رسمياً، لتدخل مصر في مسار بناء محطة نووية كاملة وفق معايير الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
أما البرنامج النووي المصري، فيُقدَّم رسمياً بوصفه مشروعاً “سلمياً بالكامل”، يهدف إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، مع تعزيز قدرة البلاد على إنتاج الكهرباء النظيفة. علمًا بأن مصر عضو في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) منذ عام 1981، وتخضع منشآتها لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما في ذلك إجراءات التفتيش الدورية والبروتوكولات الإضافية الخاصة بالأمان النووي.
وفي المقابل، تُعدّ إسرائيل واحدة من أربع دول فقط في العالم لم توقّع على المعاهدة (إلى جانب الهند وباكستان وكوريا الشمالية)، وهو ما منحها وضعاً استثنائياً لا يلزمها قانونياً بفتح منشآتها النووية للتفتيش الدولي ومكّنها من تطوير برنامج نووي عسكري خارج أي إطار رقابي، مع حماية سياسية من الولايات المتحدة والغرب.
ومنذ ستينيات القرن الماضي، حين بدأت إسرائيل تطوير منشأة ‘ديمونا’ النووية في صحراء النقب (بدعم تقني فرنسي) التي تحولت لاحقاً إلى إنتاج “مواد انشطارية” يُعتقد أنها تُستخدم في تصنيع رؤوس نووية (ما بين 80 إلى 200 رأس نووي حسب مراكز أبحاث غربية)، تتبع دولة الاحتلال سياسة تُعرف باسم “الغموض النووي” Nuclear Opacity Ambiguity، تقوم على عدم الاعتراف “رسمياً” بامتلاك أسلحة نووية، مع عدم نفي ما يتسرّب عن ترسانتها في الإعلام وبعض الدراسات الدولية.
وبالطبع، لا يتم تسريب أي “وثائق سرية” من مفاعل ‘ديمونا’ للإعلام الغربي، ولا يصدر أي “تشكيك” في سلامته الهندسية أو إجراءات تأمينه التي لا يعرف العالم شيئا عنها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى