كتاب وشعراء

محاكمة امرأة اربعينية …بقلم د. مصطفى عبد المؤمن

في قاعةِ العمرِ…
حيثُ تتدلّى الساعاتُ كالمشانق،
وتقفُ الذكرياتُ شهودَ زورٍ وحنين،
دخلتِ…
امرأةٌ في الأربعين،
ترتدي قلبًا مُتعبًا
وكبرياءً لا يُدان.
نادى القاضي:
ـ ما اسمُكِ؟
قالت:
اسمي امرأةٌ
أُرهِقها الانتظار،
وعلّمتها الخيبات
كيف تُخفي الدمار.
ـ وما تهمتُكِ؟
قالوا:
متهمةٌ بالعشقِ المتأخر،
بالحنينِ لرجلٍ
جاء بعد انقضاء المواسم،
وبالجرأةِ…
حين أعلنت أن قلبها
لم يمت بعد.
ضحكوا…
قالوا:
في الأربعين
يُغلَقُ بابُ الهوى،
وتُطفأُ الشموعُ
ويُعلنُ القلبُ هدنةَ الانطفاء.
رفعت رأسها…
وكان في عينيها
بحرٌ لا يخاف الغرق:
ـ سيدي القاضي…
هل يُحاكمُ الوردُ
إن تأخّر في التفتّح؟
وهل يُدانُ المطرُ
إن جاء خارجَ النشرة الجوية؟
أنا لم أخنِ العمر،
العمرُ هو من خانني…
ركضتُ خلفَ الجميع
ونسيتُ أن أركضَ نحوي.
أنا لم أطلب الكثير،
فقط قلبًا
لا يخاف من عمري،
ولا يُقاسُ حبّه
بعدد الشموع على كعكتي.
اقتربتْ من منصةِ الحكم،
وقالت بصوتٍ
يشبهُ اعترافَ النار:
ـ نعم…
أنا مذنبة،
مذنبةٌ لأنني
ما زلتُ أؤمن بالحب،
وأُخبّئ في صدري
فتاةً
ترفضُ التقاعد.
ساد الصمت…
حتى القاضي
ارتبكَ من صدقها،
حتى الجدران
ارتعشت من نبضها.
ثم سُمع الحكم:
“باسم القلب…
نُعلنُ براءةَ هذه المرأة،
ونُدينُ العالم
بتهمةِ القسوة،
وسوءِ الفهم،
واغتيالِ الأحلام في منتصف الطريق.”
خرجت…
امرأةٌ في الأربعين،
لكنها…
كانت تمشي
كأنها
في أول العمر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى