فراج إسماعيل يكتب :داود الشريان يطالب تلميحا وليس تصريحا بمراجعة مدى صدق الحملات الحالية على إيران

ما قاله الإعلامي السعودي البارز داود الشريان اعتراف ليس متأخرا، بل في وقته تماما في ظل الحرب على إيران التي نجحت واشنطن في توريط دول الخليج فيها.
أعرف عن قرب شجاعة داود الشريان، فهو صديق أولا، ورئيسي في جريدة المسلمون ثم في قناة العربية سنوات طويلة.
رغم مهنيته الشديدة المشهور بها، يعترف في لقاء تلفزيوني بأنه “مارس الكذب” أثناء حرب الخليج التي أشعلها الغزو العراقي للكويت.
يقول: أثناء الحرب كنت رئيسا لتحرير المسلمون. كنت أكذب وأوزع منشورات عن الاغتصابات والحفلات الراقصة للجيش العراقي. كان كله كذب. الدعاية تحتاج إلى شخص كذاب، بس يعرف يكذب!
كأني أتخيل داود الشريان يطالب تلميحا وليس تصريحا بمراجعة مدى صدق الحملات الحالية على إيران، خصوصا تلك التي يقودها إسلاميون.
أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابات أهمها ما يتعلق بصناعة “عقدة الذنب” بشأن جرائم ألصقت بالوجود الإيراني في سوريا ضد السوريين السنة.. هل هذه حقيقية أم صناعة إعلام متفوق في الدعاية، أو بعض تلك الجرائم على الأقل.
اعتراف داود الشريان، وقد كنت أثناء غزو جيش صدام حسين للكويت أعمل تحت رئاسته في جريدة المسلمون، يفرض أهمية المراجعة الإعلامية للدعاية الحالية ضد إيران. التعجل بذلك فريضة غائبة فجرها الشريان، ربما دون قصد.
مما أكتبه في كراسة مذكراتي عن تلك الفترة التي سبقت الغزو، أن العراق نظم مؤتمرا إسلاميا حضره علماء الأمة، ومن بينهم علماء يمثلون الأزهر، وأن داود الشريان كلفني بالسفر فورا إلى بغداد لتغطيته، وكان الأمر صعبا، إذ احتاج لتأشيرة خروج وعودة والتنسيق مع السلطات العراقية، لكن تم انجاز ذلك في فترة وجيزة رغم أنه في موسم الحج.
حدث شيء غلط يومها جعلني أتوه من مندوبي المراسم الذين ينتظرونني في المطار، فذهبت إلى أحد الفنادق لأبيت فيها، وهناك اتصلت بهم فجاءوا وأخذوني وأنزلوني في فندق الرشيد، الذي كان أفضل فنادق بغداد.
افتتح صدام حسين المؤتمر.. بعدها تم ترتيب لقاءات وزيارات لي.. وعندما استعجلت في العودة إلى جدة، لم يكن ذلك متاحا بسبب سفر الحجاج، لكن لم يغلب عليهم، فقد تم تأخير سفر حاج إلى رحلة أخرى لأسافر بدلا منه..
عندما كتبت.. كتبت بالطبع قصائد عن إنجازات العراق.
بعدها وقبل أن يجف حبر تلك الموضوعات التي نشرتها “المسلمون” حصل الغزو، وتحولت قصص المديح إلى حملات عن جرائم جنود صدام في الكويت.
سألني صحفي يومها عندما حصل الغزو وكان في الأسواق العدد الذي يحمل تحقيقا لي في مدح العراق: ما هو شعورك الآن؟!
أجبته: لا أعرف.. كأني في حالة موت سريري!
بعد أن شاهدت لقاء الاعتراف لداود الشريان، عدت إلى كراسة ذكرياتي، لعلي سجلت فيها ما حدث بعد ذلك.
لم أجد أكثر مما قاله.. حملات الاغتصاب ورقص الجنود التي كانت تأتينا كأنها حقائق يرصدها مراسلونا، وتحت كل تحقيق ألصقه ألوم نفسي على سقوطي في دعاية الترويج لإنجازات العراق بعد زيارتي لها.
الآن أشعر بارتياح كبير بعد أن مضى بي قطار العمر.. لم أكن أكذب، بل ما حدث أثناء الحرب هو الدعاية الكاذبة التي سبقت أو مهدت للحرب على العراق.
شكرا لشجاعة الإعلامي الكبير داود الشريان التي خلصتني من عقدة الذنب في أواخر عمري…