
لم تكن بهرز يوماً بقعةً عابرة على خريطةٍ تُطوى، بل كانت نصاً مفتوحاً على امتداد الزمن، مدينةً إذا دخلتها شعرت أنك لا تخطو فوق ترابٍ عادي، بل فوق طبقاتٍ من الحكايات، وأنك لا تنظر إلى بساتين، بل إلى ذاكرةٍ خضراء كتبت نفسها بالماء والطين منذ آلاف السنين، حتى ليخيّل للغريب أن العنب المتدلّي من كرومها ليس ثمراً، بل شواهد حيّة على اسمٍ قديم حمل معنى الخصوبة والجمال، “به… رز”، الأرض الطيبة والعنب الطيب، كأن اللغة نفسها انحنت يوماً لتسمّي هذه المدينة بما يليق بها، مدينةٌ عرفت كيف تجعل من الطبيعة هوية، ومن الزراعة فلسفة، ومن الماء تاريخاً لا ينقطع.وحين يتعمّق المرء في بهرز، لا يلبث أن يكتشف أنه أمام امتدادٍ خفيّ لحضارةٍ أقدم من الأساطير القريبة، حضارة أشنونا التي لم تكن مجرد مدينة في تل أسمر، بل كانت روحاً امتدت حتى هذه الأرض، حيث شكّلت بهرز، في صمتها العميق، السلة الغذائية لذلك المجد القديم، ومن هنا كانت البداية الحقيقية للحكاية، إذ لم تكن أشنونا مملكة عابرة، بل واحدة من أوائل المدن التي نظّمت الحياة بقانون، حتى أنها سبقت غيرها حين أصدرت ما يُعرف بربع قانون بلالاما، ذلك الإرث التشريعي الذي كُتب قبل أن يستقر العالم على مفاهيم العدالة المعروفة، وتجلّت قوتها في عهد مسيزة نارم سن الملك المنتصر، الذي امتدت راياته حتى جبال زاكروس، فكانت الأرض التي تقوم عليها بهرز اليوم شاهدةً على ذلك الاتساع، وعلى تلك اللحظة التي التقى فيها السيف بالقلم، والريّ بالقانون، والإنسان بالحضارة.
ولم يكن هذا الامتداد مجرد حدثٍ عابر، بل ترك أثره في كل شيء، في قنوات الماء التي ما زالت تشبه خرائط قديمة، في التربة التي لا تزال تعطي أكثر مما تُؤخذ، وفي الطريق العظيم، طريق خراسان، الذي جعل من بهرز محطةً لا تُنسى، حيث كانت القوافل تمرّ متعبةً من البعد، فتجد في هذه المدينة استراحةً تشبه الحضن، وكأن بهرز لم تكن مجرد موقع جغرافي، بل كانت وعداً بالطمأنينة، حتى إذا جاء العصر العباسي، واشتعلت بغداد نوراً، كانت بهرز تمدّها بما لا يُدوّن كثيراً في الكتب، تمدّها بالحياة نفسها، بالغلال، بالفواكه، وبالرجال الذين حملوا العلم كما يُحمل الضوء.ومن هنا، بدأت الأسماء ترتفع، لا لتصنع مجدها الشخصي، بل لتصبح امتداداً لاسم المدينة، فكان المحدث الفقيه أبو إسحاق البهرزي واحداً من أولئك الذين جعلوا من النسبة علماً، وكان عبد الغني البهرزي مثالاً للعالم الذي يمضي تاركاً أثره في كتب الأنساب والسير، ولم يكن هؤلاء مجرد أفراد، بل كانوا انعكاساً لمدينةٍ عرفت كيف تُنجب المعرفة كما تُنجب الأرض ثمارها، حتى أصبحت “البهرزي” لقباً يُشير إلى العلم والهيبة معاً.وتمضي الحكاية، ولا تنتهي، إذ لا يمكن لبهرز أن تُختصر في ماضٍ مهما كان عظيماً، فهي مدينة تواصل إنتاج معناها في الحاضر، ففي مجالسها الأدبية التي تشبه امتدادات خفية لمجالس العباسيين، يجلس الأستاذ الباحث ثابت الثابت، مدير المكتبة المركزية في ديالى، بوصفه حارساً للمعرفة وذاكرةً حيّة تحفظ ما قد يضيع، ويجاوره الأديب أبو نوار الذي يحمل في لغته نكهة الأرض وصدق التجربة، بينما يقف الإعلامي الدولي حامد الضبياني، الحاصل على لقب أفضل عشرين صحفي دولي في قارة آسيا ورئيس تحرير مجلة صدى الثقافة، شاهداً وكاتباً، يحاول أن يدوّن ما لا يُدوّن، وأن يمنح الحكاية صوتها المعاصر.وفي ذات المشهد، ينبض الشعر بصوت الشاعر كريم الجشعمي، الذي يحوّل تفاصيل بهرز إلى صورٍ لغوية نابضة، ويأتي الأديب إبراهيم البهرزي ليكتب بوعيٍ يستند إلى عمق الانتماء، بينما ينسج الأديب خالد هادي رؤاه كمن يعيد ترتيب الزمن داخل النص، ويوثق المصور سامي أبو ريا اللحظة لا كصورة، بل كأثرٍ إنساني، ويكتب الكاتب خالد مطلوب بصمتٍ يشبه التأمل العميق، ويُكمل الأديب مؤيد سامي هذا النسيج الثقافي بصوتٍ يعرف كيف يُنصت قبل أن يتكلم، لتبدو بهرز في حاضرها كما كانت في ماضيها، مدينةً لا تنفصل فيها الثقافة عن الأرض، ولا الإنسان عن جذوره.ولم تقتصر هوية بهرز على العلم والأدب وحدهما، بل امتدت لتُنشئ لونها الفني الخاص، إذ اشتُقّ منها مقامها الشهير “البهرزاوي”، ذلك المقام الذي حمل نبرة الأرض ووجعها وحنينها، وكان من روّاده قارئ المقام ناظم شكر، الذي صاغ صوته من طين هذه المدينة، وعازف الجوزة محمد حسين كمر الذي جعل الأوتار تنطق بلهجتها، وفي فضائها أيضاً نشأ وعاش عدد كبير من الفنانين والإذاعيين، وفي مقدمتهم القديرة سناء عبد الرحمن، الذي ورثت هذا الحس الفني عن والدها، ليبقى الصوت امتداداً لروح المكان، كما يبقى المكان حاضناً لصوته.وهكذا، حين يعود المرء إلى نهر ديالى، ويراقب الماء وهو يمضي، يدرك أن بهرز ليست مدينة تُروى بحكاية واحدة، بل هي كتابٌ طويل، بدأ من أشنونا، ومرّ بالقانون والملك والانتصار، وعبر القوافل والعلماء، واستقر في وجوه المثقفين والفنانين الذين ما زالوا يكتبونها حتى الآن، مدينةٌ لا تُقاس بمساحتها، بل بعمقها، ولا تُحفظ بحدودها، بل بما تتركه في الذاكرة، لأنها ببساطة ليست مكاناً فقط، بل تاريخٌ يمشي على أرضٍ من عنب، ويكتب نفسه جيلاً بعد جيل.
حامد الضبياني