محمد الحسيني يكتب :في زمن التحولات الكبرى .. ما موقع اليمن في المعادلة؟ فرصة لاستعادة الدولة أم ساحة لتصفية الحسابات؟

تبدو الأخبار المتلاحقة في المنطقة وكأنها أحداث منفصلة؛ استهداف لناقلات نفط، هجمات على قواعد أمريكية، تهديدات متبادلة بين واشنطن وطهران، وتصاعد التوتر في أكثر من جبهة.
غير أن قراءة المشهد بمجمله توحي بأن المنطقة قد تكون أمام مرحلة مختلفة، تتجاوز ردود الفعل العسكرية المباشرة إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك وإدارة الصراع.
فالمؤشرات التي تتحدث عن استهداف ناقلات نفط في مضيق هرمز، والهجوم على القوات الأمريكية في الأردن، وإعلان الحوثيين دراسة فرض رسوم على حركة الملاحة في باب المندب، كل ذلك يضع الممرات البحرية الاستراتيجية في قلب الصراع، ويمنح الأزمة بعداً دولياً يتجاوز حدود المواجهة التقليدية بين الولايات المتحدة وإيران.
وفي المقابل، جاءت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تضمنت التهديد بتوجيه ضربة قاسية لإيران، والإعلان عن دراسة توجيه رسائل وتحذيرات جديدة إلى وكلائها في المنطقة، بالتزامن مع مشاركة الولايات المتحدة للمملكة العربية السعودية في عمليات استهدفت فصائل عراقية موالية لإيران بعد اتهامها بالتورط في هجمات على السعودية.
هذه التطورات، إذا قُرئت في سياق واحد، قد تعكس توجهاً أمريكياً نحو رفع مستوى الضغط على شبكة النفوذ الإيراني في الإقليم، وليس الاكتفاء بالتعامل مع كل ساحة بمعزل عن الأخرى.
ومن هنا يبرز سؤال مهم: هل نحن أمام بداية تشكل نمط جديد من التنسيق الأمريكي السعودي في إدارة الملفات الأمنية في المنطقة؟
المؤشرات توحي بأن هناك تقارباً في المصالح، لكن ليس بالضرورة على صورة تحالف عسكري تقليدي أو حرب مفتوحة.
فالولايات المتحدة تبدو معنية بحماية خطوط الملاحة الدولية ومنع تحويل الموانئ والمضائق إلى أوراق ضغط استراتيجية، بينما تنظر السعودية إلى أي تهديد للموانئ أو المطارات أو طرق التجارة باعتباره تهديداً لاستقرار الإقليم بأكمله، وليس لأمنها الداخلي فقط.
في المقابل، تبدو الرياض حريصة على تجنب الانزلاق إلى حرب استنزاف جديدة في اليمن، فاستمرار قنوات التواصل مع الحوثيين عبر الوساطة العُمانية يعكس رغبة سعودية في إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، وعدم خسارة أدوات إدارة الأزمة التي راكمتها خلال السنوات الماضية.
لذلك، قد يكون من الصعب تصور انخراط السعودية منفردة في مواجهة واسعة، لكنها قد تكون أكثر استعداداً للمشاركة في ترتيبات أمنية أو سياسية أوسع مع الولايات المتحدة إذا رأت أن التهديدات باتت تمس أمن الملاحة الإقليمية بشكل مباشر.
ومن هذه الزاوية، يصبح اليمن جزءاً من معادلة إقليمية أكبر، لا باعتباره ساحة مستقلة، وإنما باعتباره إحدى ساحات الضغط المتبادل بين القوى الإقليمية والدولية.
فكلما تصاعدت المواجهة بين واشنطن وطهران، يزداد احتمال أن ينعكس ذلك على الساحة اليمنية، سواء سياسياً أو أمنياً أو عسكرياً.
ولا يبدو المشهد بعيداً عن الجبهة اللبنانية، حيث يشهد لبنان هو الآخر تصاعداً في مستويات التوتر.
وهو ما يعزز الانطباع بأن ما يجري ليس سلسلة أزمات منفصلة، بل حلقات ضمن مشهد إقليمي مترابط، تتحرك فيه مختلف الساحات وفق إيقاع واحد إلى حد كبير، وإن اختلفت طبيعة كل ساحة.
غير أن السؤال الأكثر إلحاحاً بالنسبة لليمن يبقى: أين تقف الشرعية اليمنية وسط هذه التحولات؟
ففي الوقت الذي تتغير فيه موازين القوى الإقليمية، وتتشكل تفاهمات وتحالفات جديدة، يبدو حضور الشرعية اليمنية في المشهد أقل وضوحاً مما تقتضيه حساسية المرحلة.
ويبرز التساؤل حول موقعها في العلاقة مع الولايات المتحدة، وطبيعة تنسيقها مع المملكة العربية السعودية، ومدى قدرتها على التأثير في مجريات الأحداث بدلاً من الاكتفاء بالتفاعل معها.
كما أن عودة الحراك السياسي والإعلامي لبعض القوى في جنوب اليمن، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي، بدعم من أطراف خارجية وفق ما يراه كثير من المراقبين، تضيف بعداً جديداً للمشهد الداخلي، وتفتح الباب أمام إعادة تشكيل موازين القوى السياسية داخل اليمن بالتوازي مع التحولات الإقليمية.
وفي ظل هذه التعقيدات، يصبح التحدي الحقيقي أمام الشرعية اليمنية هو استعادة تماسكها الداخلي قبل أي شيء آخر.
فمرحلة بهذه الحساسية تتطلب اصطفافاً وطنياً واسعاً، ورؤية سياسية موحدة، وقدرة على توحيد المواقف بين مختلف المكونات الوطنية، حتى لا يتحول اليمن إلى مجرد ساحة تُدار فيها صراعات الآخرين.
لقد أظهرت السنوات الماضية أن غياب المشروع الوطني الجامع، وتعدد مراكز القرار، واستمرار الخلافات بين القوى الوطنية، كلها عوامل ساهمت في إضعاف القرار اليمني، وفتحت المجال أمام تدويل الأزمة واتساع مساحة تأثير القوى الخارجية.
وكلما ازداد الانقسام الداخلي، تقلصت قدرة اليمنيين على التأثير في مستقبل بلادهم، وأصبح القرار الوطني أكثر ارتباطاً بحسابات الفاعلين الإقليميين والدوليين.
ولا يعني ذلك أن الأمور خرجت نهائياً عن السيطرة، لكنه يعني أن هامش المبادرة الوطنية يضيق مع مرور الوقت.
فما يزال بإمكان القوى اليمنية استعادة جزء من زمام المبادرة إذا استطاعت بناء رؤية وطنية مشتركة، وتغليب منطق الدولة على منطق الاصطفافات الضيقة، وتحويل المتغيرات الإقليمية إلى فرصة لتعزيز الموقف الوطني بدلاً من أن تكون سبباً في مزيد من الانقسام.
إن ما يجري اليوم قد يكون بداية مرحلة جديدة في إدارة الصراعات في المنطقة، وقد يكون مجرد موجة جديدة من التصعيد ضمن الصراع القائم.
لكن المؤكد أن قراءة الأحداث منفصلة عن بعضها لم تعد كافية لفهم المشهد، فالتطورات في الخليج، والبحر الأحمر، واليمن، والعراق، ولبنان، تبدو أكثر ترابطاً من أي وقت مضى، وهو ما يجعل السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا تقول الأخبار؟ بل ماذا تخفي هذه الأخبار من تحولات أعمق في موازين القوة، وما الذي يُعاد ترتيبه خلف الكواليس؟
ويبقى مستقبل اليمن مرهوناً بقدرة اليمنيين أنفسهم على استعادة القرار الوطني، لأن الدول التي تعجز عن توحيد رؤيتها الداخلية تصبح، مع مرور الوقت، جزءاً من معادلات يصنعها الآخرون أكثر مما تصنعها هي.