رؤي ومقالات

شيركو حبيب يكتب:سيادة العراق بين الدستور والتحديات الإقليمية..

قراءة سياسية وقانونية في وحدة القرار الوطني

قبل أيام، تعرضت عدة مناطق في وسط وجنوب العراق لقصف استهدف قوات من الحشد الشعبي من قبل الولايات المتحدة والسعودية، مما أدى إلى مقتل عدد من مسلحي الحشد، وذلك بعد قصف مناطق في السعودية من الأراضي العراقية حسبما أعلن.

خرجت بعض الأطراف السياسية العراقية للتنديد، متسائلة: كيف يمكن انتهاك سيادة الأراضي العراقية؟ فهذا الأمر يتعارض مع مبادئ القانون الدولي وقواعد العلاقات بين الدول. وطالبوا الحكومة العراقية باتخاذ موقف حازم تجاه السعودية، وعلى إثر ذلك أُلغيت زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى ذلك البلد.

وهنا يطرح السؤال نفسه: أين تبدأ حدود العراق وأين تنتهي؟

لن أتحدث عن الإقليم والمناطق الأخرى، ولكن وفقاً للحدود الرسمية فإن حدود العراق تمتد من زاخو إلى الفاو، وأي قصف أو هجوم يستهدف هذه الحدود يُعد انتهاكاً لسيادة العراق وفقاً للقوانين والمبادئ الدولية.

تعرض إقليم كوردستان ومنذ سنوات للاستهداف من قبل دولتين إقليميتين وجارتين، وسقط العديد من المدنيين الأبرياء شهداء. بل إن العاصمة أربيل نفسها تعرضت لهجوم صاروخي استهدف أشخاصاً مدنيين وأدى إلى سقوط ضحايا. فهل لا يُعد هذا انتهاكاً لسيادة الأراضي العراقية؟ أم أن كوردستان في هذه الحالة تقع خارج حدود العراق؟

لكن إذا كان الأمر عكس ذلك، فاذا كان من مصلحتهم فإن شمال العراق الحبيب هو جزء لا يتجزأ من العراق، وعندما يرون عكس ذلك يدعون محاولة فصله عن الأراضي العراقية لإنشاء كيان صهيوني منفصل عن الوطن العراقي.

إن السيادة تُعد واحدة من أهم المفاهيم السياسية والقانونية التي تقوم عليها الدولة الحديثة، فهي تعبّر عن قدرة الدولة على ممارسة سلطتها ضمن حدودها، وحماية أراضيها ومواطنيها، واتخاذ قراراتها بعيداً عن أي تدخل خارجي.

ويؤكد الدستور العراقي أن العراق دولة اتحادية واحدة ذات سيادة، وأن إقليم كوردستان هو إقليم دستوري ضمن إطار هذه الدولة. وهذا يعني أن حماية الحدود والسيادة الوطنية هي مسؤولية مشتركة ضمن مؤسسات الدولة.

إن مفهوم السيادة لا يمكن تجزئته، لأن الدولة لا تستطيع أن تكون قوية إذا قامت بحماية جزء من أراضيها وتجاهلت جزءاً آخر. لذلك فإن أي خرق عسكري أو أمني لأي منطقة من أراضي العراق يجب أن يُعد اعتداءً على الدولة العراقية بأكملها.

والسؤال هنا: إلى أي مدى يستطيع العراق حماية سيادته الوطنية في ظل التحديات الداخلية والتدخلات الخارجية؟ وما تأثير العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان على الوحدة الوطنية؟

وتنبثق عن هذا السؤال عدة أسئلة أخرى:

هل يتم التعامل مع جميع الهجمات على الأراضي العراقية وفق معيار واحد؟
ما تأثير الخلافات السياسية الداخلية على قوة الدولة؟
كيف يمكن تعزيز التعاون بين بغداد وأربيل لحماية الأمن الوطني؟

قبل الإجابة عن هذه الأسئلة، ينبغي الإشارة إلى التحديات التي تواجه سيادة العراق:

1- التدخل الخارجي

خلال السنوات الماضية، كان العراق شاهداً على تدخلات إقليمية ودولية أثرت في قراراته الأمنية والسياسية. إن تعدد الجهات الفاعلة والمؤثرة جعل قدرة الدولة أكثر تعقيداً في السيطرة الكاملة على الملفات الأمنية.

2- الخلافات السياسية الداخلية

إن الخلافات بين القوى السياسية العراقية تؤثر على قدرة الدولة في اتخاذ موقف موحد. إضافة إلى ذلك، فإن استمرار بعض القضايا العالقة بين بغداد وأربيل قد تكون له آثار سلبية على مستوى التنسيق الوطني.

3- ضعف المؤسسات

ترتبط قوة السيادة بقوة مؤسسات الدولة. فكلما كانت المؤسسات الأمنية والسياسية والإدارية أكثر فاعلية واستقلالية، ازدادت قدرة الدولة على حماية مصالحها.

ويجب أيضاً الإشارة إلى العلاقة بين بغداد وأربيل وتأثيرها على الأمن الوطني. فالعلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان تُعد عاملاً حاسماً في مستقبل العراق السياسي والاقتصادي والأمني. إن التعاون بين الطرفين يمكن أن يعزز قوة الدولة، بينما تؤدي الخلافات المستمرة إلى إضعاف القدرة على مواجهة التحديات.

المجالات الأساسية للتعاون تشمل:

التنسيق الأمني.

إدارة الموارد الطبيعية.

تنظيم العلاقات المالية.

تطوير التجارة والاستثمار.

إن حل الخلافات بين بغداد وأربيل ضمن إطار دستوري وقانوني يمثل خطوة أساسية لبناء دولة أكثر استقراراً.

لكن للأسف، فإن الجهود من جانب الحكومة الاتحادية ليست دائماً بالمستوى المطلوب، وفي الوقت نفسه فإن الجهات التي تستهدف إقليم كوردستان معروفة لدى الحكومة الاتحادية، إلا أنه لم تُتخذ إجراءات واضحة بحقها.

لذلك من المهم بناء موقف وطني موحد لحماية السيادة. إن تعزيز سيادة العراق يحتاج إلى اعتماد استراتيجية وطنية تقوم على الأسس التالية:

التعامل مع جميع الاعتداءات الخارجية والداخلية باعتبارها انتهاكاً لسيادة العراق.

توحيد القرار الأمني تحت سلطة مؤسسات الدولة.

تعزيز التعاون بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم.

تطوير سياسة خارجية تحمي مصالح العراق.

ترسيخ مفهوم المواطنة المتساوية لجميع العراقيين.

نقاط مهمة:

1- لا يمكن لسيادة العراق أن تكون قوية من دون مؤسسات دولة قوية.

2- الخلافات الداخلية تؤثر على قدرة العراق في مواجهة الضغوط الخارجية.

3- التعاون بين بغداد وأربيل عامل حاسم لتعزيز الأمن الوطني.

4- يجب أن تكون حماية جميع مناطق العراق قائمة على أساس مبدأ المواطنة، وليس على أساس الاعتبارات السياسية أو الجغرافية.

يمر العراق بمرحلة حساسة تتطلب بناء دولة قوية قادرة على حماية سيادتها وإدارة تنوعها الداخلي. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال توحيد القرار الوطني، وتعزيز مؤسسات الدولة، وحل الخلافات عبر الحوار وسيادة القانون.

إن حماية إقليم كوردستان، أو أي منطقة أخرى من العراق، ليست قضية مرتبطة بمنطقة محددة فقط؛ بل هي مسؤولية وطنية ترتبط في جوهرها بمفهوم الدولة العراقية وسيادتها.

العراق القوي هو البلد الذي يشعر فيه جميع مواطنيه بأن حقوقهم وأمنهم متساويان تحت مظلة دولة واحدة، وهذا هو الهدف الجامع لكل الوطنيين الحقيقيين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى