رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :التاريخ من الجانب المخفي

لماذا يراد في كل مرحلة ترسيخ صورة سلبية للعراقي بانتقاء حوادث مبتورة من سياقها وجرى تضخيمها؟ تزوير التاريخ لا يهدف الى تشويه ذاكرة فرد بل أمة. الأكاذيب الكبرى ترسخ مع الزمن والتكرار وتتحول الى قناعات في حين تطمس الحقائق تحت الضجيج ومن يطالب بالعدالة السياسية، لا يمكن أن يغفل المطالبة بالعدالة الاجتماعية.
تاريخنا القريب سرديات شفوية ملفقة ورغبية انتجتها السياسة والمصالح ولم تظهر عندنا حركة” المؤرخين الجدد The New Historians” التي اعادت تفكيك السرديات الرسمية المحرمة لكن هذه الحركة لم تظهر في العراق لأسباب منها تداخل الوثائق المزورة من كل الاطراف وشهادات القادة المزورة وغياب الغطاء القانوني للباحث في الارشيف وحمايته من الضغوط والمنع والمصادر.
كما ان الاكاذيب المعتقة السياسية تأخذ شكل البطولة والقداسة وتظهر الزعماء كما لو انهم كهنة ورهبان منعزلين في الجبال ونزع الطابع البشري منهم كايقونات في كنائس ولا يعرف عنهم الألم أو الحزن أو تناول الطعام أو عواطف انسانية مشروعة وبلا أخطاء لأن الآلهة لا تعرف الخطأ بل مخلوقات مصممة كتماثيل.
لا يستطيع المواطن الهروب من صور الزعيم القائد لانها في كل الشوارع والساحات والمؤسسات بملامح هادئة مطمئنة ــــــــــ مع ان حمايته المتاهبة خلفه تعكس ذعره ـــــــــــــ وحتى صور قادة المعارضة في الصحف تخضع للمعايير نفسها كصور قساوسة في لحظة صلاة ــــــــــــــــــ يمكن ملاحظة الصورة الثلاثية في ساحة الكرملين لماركس وانجلز ولينين التي تظهرهم بمظهر ديني مترفع رغم بساطتهم في الحياة في محاولة لاستبدال المقدس بمقدس جديد يحمل الملامح القديمة وتحويل الشعارات الى صلوات. هذه خاصية جميع الاحزاب الشمولية حتى اليوم.
اضافة الى الدور الذي لعبته الانظمة والاحزاب الشمولية في كتابة التاريخ بطريقة مقلوبة واعلان الحرب على اي قراءة مختلفة ــــــــــــــــ تحويل الايديولوجيا الى دين ــــــــــــــــ بل حتى الحروب الدموية تصور كانتصارات وأي بحث مضاد للروايات الرسمية يقابل بالاجراءات الامنية أو الرفض العام.
لهذه الأسباب وغيرها ظل الصراع السياسي في العراق محكوما بعناصر جوهرية سياسية أو طائفية أو عرقية ـــــــــــــــــــــ الصراع الثقافي منسي ــــــــــــــ مما أدى الى غياب التيار النقدي للاساطير السياسية المعقلنة ومراجعتها وبدل البحث الاكاديمي تولت الرواية في بعض نماذجها القيام بدور بديل للتاريخ المضاد عن طريق حكايات المهمشين والمنسيين وسكان الضواحي والسير الذاتية الجريئة وجزء من خفايا التاريخ.
توفي شلومو هليل (Shlomo Hillel)، السياسي والدبلوماسي الإسرائيلي من أصل عراقي، بتاريخ 8 فبراير 2021، عن عمر ناهز 97 عام وهو من الشخصيات التاريخية المؤسسة لكن الوجه الحقيقي له هو كل ما يهمنا:
هو اليهودي البغدادي الذي هاجر الى اسرائيل وعاد للعراق متنكراً وقاد فريقاً من الموساد جهاز المخابرات ومنظمة الهاغانا كما يعترف هو وحرضوا الغوغاء على اليهود عام 1941 وزرعوا القنابل في الكنس اليهودية لدفع اليهود الى الهجرة الى اسرائيل ووقع نتيجة ذلك قتلى وجرحى ونهب ممتلكات،
وتلك الحادثة تعرف عراقياً بــــ” فرهود اليهود”.
يعترف شلومو هليل في كتابه” عملية بابل” صراحة إن العراقيين أبرياء
من تلك القضية وانها كانت من تدبيره هو مع فريق كامل من الموساد ومنظمة الهاغانا من بينهم وزير الدفاع الاسرائيلي في حرب حزيران عام 1967 موشي دايان،
كما يعترف انه قابل نوري السعيد بجواز امريكي مزور كصاحب شركات
والطلب منه تسهيل هجرة اليهود مقابل الحصول على مكاسب إقتصادية.
الجزء الأهم من عملية بابل هو الوصم العراقي الراسخ وتحميل العراقيين مسؤولية عمليات النهب الفرهود حتى اليوم في حين يعترف ادباء يهود من اصول عراقية ومنهم الشاعر ابراهيم عوبديا والبروفسور شموئيل موريه استاذ الادب العربي ـ سامي ـــ وربطتنا بهم علاقة صداقة عن بعد ورسائل متبادلة وكتب،
يعترف هؤلاء في كتب ويوميات ببراءة العراقيين من الفرهود بل أن الشاعر الشيوعي إبراهيم عوبديا كتب لي في رسالة إن مفوض شرطة عراقي قد ابلغه سراً بأمر القبض عليه كشيوعي وهرب عوبديا في الليل الى إيران،
وكتبت عن هذه الشخصية في رواية:” عزلة أورستا: سرقوا الوطن، سرقوا المنفى” وتأثر عوبديا بذلك كثيراً. بل بعض العوائل العراقية المسلمة تولت مهمة اخفاء العوائل اليهودية، يعترف عوبديا، وعائلته منهم.
هناك خاصية في العقل العربي المشرقي هي الثبات على السرديات والمرويات الشفوية بلا فحص ولا مراجعة ولا تأمل ولا تدقيق،
وهي خاصية تتعلق بالأحداث الكبيرة وحتى في العلاقات الفردية،
والغالب في هذا” العقل المستقيل”، هي صفة الاقرار النهائي بكل مروية مرتجلة كحقيقة نهائية لأنه يجد صعوبة بالغة في المراجعة بعد مشاعر الطمأنينة التي تعايش معها مع الأكاذيب التي حفرت مسارات عصبية في الدماغ وصارت جزءاً من النسيج العقلي بل حالة إدمان تستعصي على المراجعة.
الأمر الذي زور التاريخ وشوه الذاكرة وحتى في حالة ظهور حقائق جديدة،
يجد العقل المستقيل نفسه عاجزاً عن الهضم والتغيير والاستبدال لأن التعايش الطويل مع أوهام يحولها الى” حقائق” وجزء بنيوي من الذاكرة،
وهو أمر تتعرض له الشعوب كما الأفراد.
كل شيء بالمقلوب عندنا: بدل ظهور حركة المؤرخين الجدد بعد حروب مدمرة جعلت شعوب العالم تنتج فناً وأدباً وعلوما جديدة وتعيد النظر بالماضي، ظهرت حركة” الدجالين والمشعوذين واللصوص والنصابين الجدد” لا لكشف التاريخ المزور والملفق بل لتحويل الأساطير والأكاذيب الى حقائق، بحيث صارت الأساطير واقعاً، وصار الواقع أسطورة.
شعوب العالم، بتعبير محمد الماغوط، حوّلت النفايات الى مواد لصالح الانسان، ونحن حولنا الانسان الى نفاية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى