رؤي ومقالات

محمد الحسيني يكتب :طارق صالح يعود إلى الميدان .. هل تتغير معادلة باب المندب بعد حرمان الحوثيين منه؟

لم يعد باب المندب في الحسابات اليمنية مجرد ممر مائي تفصل بين ضفتيه الجغرافيا، بل بات واحداً من أكثر مفاتيح الصراع حساسية؛ فمن يملك القدرة على تأمين محيطه يملك ورقة تتجاوز حدود الجبهة إلى أمن الملاحة وخطوط الإمداد والتجارة الدولية.

وفي لحظة يتصاعد فيها القصف الحوثي على الساحل الغربي وتتزايد الحوادث البحرية، يعود طارق صالح إلى الميدان، لا ليبدد شائعة إصابته فحسب، بل ليبعث برسالة أبعد: أن معركة الساحل تدخل طوراً جديداً، وأن الحديث عن حرمان الحوثيين من باب المندب قد يكون عنواناً لتحول في طريقة إدارة المعركة، من احتواء الهجمات إلى محاولة تغيير قواعدها.

فهل تتغير فعلاً معادلة باب المندب؟ وماذا يعني، عسكرياً وسياسياً وبحرياً، أن تُحرم جماعة الحوثي من استخدام هذا الممر الاستراتيجي كورقة نفوذ وإمداد؟

فالساحل الغربي اليمني اليوم لم يعد مجرد جبهة عسكرية في الحرب، بل تحولَ إلى نقطة تقاطع بين الصراع الداخلي والأمن البحري الإقليمي وحماية الملاحة الدولية.

ومع تصاعد الهجمات الحوثية على المخا ومحيط باب المندب، تتحرك الحكومة اليمنية لإعادة تنظيم منظومة الأمن البحري عبر تفعيل لجنة وطنية تجمع القوات البحرية وخفر السواحل والموانئ والجمارك والجهات المدنية ذات الصلة، في محاولة للانتقال من التعامل مع التهديدات بعد وقوعها إلى منظومة أكثر تنسيقاً واستباقية.

في قلب هذا المشهد، جاء الظهور الأخير للفريق طارق صالح في خطوط التماس بمحور الحديدة، بعد شائعات عن إصابته، ليحمل أكثر من رسالة.

فالظهور الميداني بدد الشائعة، وأعاد تثبيت حضوره كقائد مؤثر على جبهة الساحل، وربط تصريحاته السياسية والعسكرية بالميدان مباشرة.

وفي حديثه عن خسائر الحوثيين واستعداد القوات الحكومية لمعركة وصفها بالفاصلة، أشار صالح إلى دخول أسلحة وقدرات جديدة إلى الخدمة، من دون الكشف عن طبيعتها، مؤكداً أن القوات الحكومية باتت أكثر قدرة على المبادرة والمناورة.

وتكمن أهمية هذا الخطاب في أنه يعكس محاولة للانتقال من إدارة المعركة بمنطق الدفاع ورد الفعل إلى امتلاك قدر أكبر من المبادرة.

فإدخال المسيّرات وتطوير أدوات الاستطلاع والاستهداف، وفق الرواية الحكومية، يهدف إلى إرباك حركة الحوثيين واستهداف قدراتهم وخطوط إمدادهم، فيما تبقى حقيقة حجم هذا التحول ومدى تأثيره الفعلي مسألة يحددها الميدان، لا التصريحات وحدها.

أما حديث صالح عن حرمان الحوثيين من باب المندب، فيحتاج إلى قراءة دقيقة، فالمقصود ليس السيطرة المطلقة على الممر الدولي، وإنما تقليص قدرة الجماعة على استخدام الساحل ومحيط المضيق لأغراض التهريب والإمداد والضغط على الملاحة.

وبذلك يصبح تأمين باب المندب، في المنظور العسكري الذي يطرحه صالح، جزءاً من معركة أوسع لقطع شبكات الإمداد ومنع تحويل الموقع الاستراتيجي إلى ورقة نفوذ إيرانية أو حوثية.

وتزداد أهمية هذه الرسالة في ظل تعرض المخا لهجمات بالصواريخ والمسيّرات، وما رافق ذلك من أضرار طالت الميناء ومرافقه، بالتزامن مع حوادث أمنية بحرية قبالة السواحل اليمنية وخليج عدن.

كما أعلنت مصادر حكومية عن إطلاق عشرات الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه الساحل الغربي، فيما أعلن الجيش اليمني تنفيذ 81 عملية عسكرية ضد مواقع الحوثيين خلال 24 ساعة.

وهذه الأرقام تبقى، في ظل غياب تحقق مستقل شامل، حصائل معلنة من أطراف النزاع، لكنها تعكس على الأقل مستوى التصعيد الذي تشهده الجبهات.

ولا ينفصل التصعيد البحري عن التطورات البرية في مأرب وتعز والضالع ولحج؛ إذ تشير الصورة العامة إلى عودة النشاط العسكري بوتيرة أعلى، مع محاولات تسلل وقصف متبادل واستخدام متزايد للمسيّرات.

وفي المقابل، يواجه الحوثيون ضغوطاً أمنية واجتماعية داخل مناطق سيطرتهم، بالتزامن مع تشدد قبضتهم الأمنية وتزايد الخلافات الداخلية، بما يضيف بعداً آخر إلى معادلة الصراع.

لكن الرهان الأكبر لا يتعلق بالسلاح وحده، فنجاح الحكومة في توحيد الأمن البحري قد يكون أكثر أهمية على المدى البعيد من أي مكسب تكتيكي منفرد.

إذ إن الميناء الآمن لا يعني فقط منع الهجوم عليه، بل ضمان استمرار عمله وحماية الملاحة والتجارة ومكافحة التهريب وربط الأمن بالاقتصاد.

وإذا تحولت اللجنة الوطنية للأمن البحري إلى مؤسسة فاعلة قادرة على جمع المعلومات وتنسيق الاستجابة وتوحيد القرار، فإنها قد تمثل خطوة في اتجاه بناء وظيفة دولة طال انتظارها.

ومن هذه الزاوية، يبدو خطاب طارق صالح محاولة لتثبيت رؤية سياسية وعسكرية عنوانها استعادة المبادرة وتأكيد الهوية الوطنية في مواجهة مشروع يرى أنه مرتبط بإيران والحرس الثوري.

غير أن اختبار هذه الرؤية لا يكمن في الشعارات، بل في قدرة القوى المناهضة للحوثيين على توحيد صفوفها ومؤسساتها وقرارها العسكري والسياسي، وتقديم نموذج دولة يتجاوز مجرد مواجهة الخصم.

المؤشرات الحالية لا تكفي للقول إن اليمن يقف على أبواب معركة حسم شاملة، لكنها تكشف عن مرحلة إعادة ترتيب للأدوات: تصعيد على الجبهات، تطوير في القدرات العسكرية، ضغط متبادل على الساحل، ومحاولة لبناء منظومة أمن بحري أكثر تكاملاً.

وإذا نجحت هذه التحركات في تحويل الساحل من مساحة مفتوحة للتهديد والتهريب إلى منطقة أكثر أمناً، فقد تتغير معادلة باب المندب تدريجياً.

في النهاية، معركة الساحل الغربي ليست معركة على الشاطئ وحده، بل على من يملك القدرة على حماية الموانئ وخطوط الملاحة وقطع الإمدادات وتحويل الموقع الجغرافي إلى نفوذ سياسي واقتصادي.

وظهور طارق صالح في هذه اللحظة يعكس محاولة لتقديم نفسه كجزء من مركز القرار الميداني في هذه المعادلة.

لكن قوة الرسالة ستظل رهناً بما سيحدث على الأرض: هل تتحول الأسلحة الجديدة إلى قدرة مستدامة، وهل يتحول توحيد الأمن البحري إلى مؤسسة حقيقية، وهل تستطيع القوى الحكومية الانتقال من تعدد الجبهات إلى استراتيجية موحدة؟

هنا تحديداً سيظهر ما إذا كان الساحل الغربي يدخل فعلاً مرحلة جديدة، أم أن الأمر لا يتجاوز جولة أخرى من حرب مفتوحة على احتمالات متعددة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى