رؤي ومقالات

سمير زين العابدين يكتب :اثبت مكانك، ولا تسمع لكلام حد غيري

دليل المواطن "المستقر" للعيش في "أشباه الدول"

أهلاً بك عزيزي المواطن في رحلتنا اليوم، حيث سنأخذك في جولة سياحية فاخرة عبر قطارنا الكهربائي السريع، لنشاهد معاً كيف تُبنى “الدولة الجديدة” من الصفر،
وتحديداً من فوق الصفر بعشرة سنوات كاملة لم يكن في ثلاجتنا خلالها سوى زجاجات مياه مبردة نقية!
إذا أخبرك أحد الخبراء الاقتصاديين التقليديين بأن بلادنا تعاني من انهيار اقتصادي، أو أن مرتبك لم يعد يكفي الحد الأدنى من احتياجاتك، فلا تسمع لكلام أحد غيري!
ودعنا نتفق أولاً على القاعدة الذهبية للجمهورية الجديدة:
“ما معنى دراسات الجدوى؟” إنها مجرد أوراق تعطل الإنجاز البصري، ولو سرنا خلفها لما استطعنا بناء 25% من صروحنا الفارهة.
لندع كل القصور التاريخية (عابدين والقبة والطاهرة والمنتزه وغيرهم) وقصور العلمين والمستقبل جانبا ودعنا نتأمل معاً القصر الرئاسي الجديد في العاصمة الإدارية، والذي يمتد على مساحة تواكب طموحاتنا السيادية؛
فمبنى السكن وحده يعادل 10 أضعاف البيت الأبيض الأمريكي. لماذا؟
لأننا نؤمن بالاتساع والرفاهية التي تليق بمصر كمنارة للعالم.
وعندما يهمس في أذنك مواطن حاقد متسائلاً عن كلفة هذا القصر أو قصر العلمين الصيفي، فالرد حاسم وجاهز: “أنا بَنِي وقاعد أبني.. بس مش لِيّا، ده لمصر!”، فالرئيس في النهاية لن يأخذ القصر معه، بل سيتركه كأصل عقاري سيادي يغيظ الأعداء.
ولا يمكننا الحديث عن الفخامة دون أن نعرج على “ملكة السماء”، طائرة البوينغ 747 الفاخرة (نصف مليار دولار فقط لا غير)، والتي تم شراؤها وتعديلها لتصبح قصراً طائراً مزوداً بأحدث أنظمة الدفاع الجوي. بالطبع، الطائرة القديمة كانت متهالكة ولا تليق ابدا بأمن القيادة، والمواطن البسيط يسعده جداً وهو يربط حزام بطنه من الجوع، أن يرى طائرة بلاده وهي تحلق فخورة فوق السحاب.
من ملامح العبقرية النفسية، ذلك التناغم المذهل بين الكلمات والمظهر؛ فبينما يرتدي المسؤولين بدلاتهم الإيطالية الفاخرة، وتزيّن معاصمهم بساعات “باتيك فيليب” و”أوميغا” الثمينة، وتتألق نساؤهم بحقائب “هيرميس” ومجوهرات الألماس في المحافل الدولية، يخرج الخطاب الأبوي الدافئ ليعيدنا إلى أرض الواقع ونبرة “الهدهدة السياسية”:
“لو كان ثمن بناء الدولة الجوع والعطش.. نجوع ونعطش! ثم نأكل من جوعنا ونشرب من عطشنا”. إنه التكتيك النفسي الأرقى: تحويل الفقر والصبر من أزمة اقتصادية إلى فضيلة وطنية يُثاب عليها المواطن صاغراً.
وحين تتحرك المواكب الفاخرة المحاطة بسيارات “مرسيدس إس كلاس” المصفحة ضد الرصاص، وتُفرش السجادة الحمراء الطويلة في قلب الصحراء، تدرك تماماً أن هذا ليس بذخاً، بل هي بروتوكولات أمنية صارمة وإجراءات حماية،
اما من تحدثه نفسه بسوء فالجيش يمكنه الانتشار في 6 ساعات، و”اللي هيقرب لها هنشيله من فوق وش الأرض”.
إذا تجرأ أحدهم وقارن ميزانية الرئاسة بقطاعي الصحة والتعليم، وسخر من عجز المدارس ونقص الأدوية، فالحكومة لديها الرد المفحم: ميزانيات الصحة والتعليم تتجاوز التريليون جنيه (لتغطية أجور ملايين الموظفين)، بينما موازنة ديوان الرئاسة لا تتعدى بضعة مليارات!
أما القصور والطائرات؟ فتمويلها “خارج الموازنة” تماماً ومن أرباح بيع الأراضي الصحراوية، وكأن هيئة المجتمعات العمرانية تعمل في كوكب آخر لا علاقة له بأموال الدولة وأراضي الشعب أو ديونها الخارجية.
أما منظمات الشفافية الدولية التي وضعتنا في المرتبة 130 عالمياً بمؤشر مدركات الفساد (30 درجة من 100)، فهي بالتأكيد منظمات لا تفهم طبيعة “أشباه الدول”.
هم يروْن غياب الموازنة الموحدة وضبابية الصناديق السيادية فساداً، ونحن نراها “مرونة إدارية” لبناء دولة من العدم بعد أن استلمنا “أي حاجة وقالوا لنا خدوا”.
في النهاية عزيزي المواطن، تذكر دائماً وأنت تقف في طابور طويل أو تعاني من غلاء الأسعار: مصر التي كانت منارة للعالم العربي ومؤسسة لقرون من الحضارة، لم تكن سوى “شبه دولة”، والآن فقط أصبح لدينا قصور وطائرات وساعات تليق بالجمهورية الجديدة.. فاثبت مكانك، ولا تسمع لكلام حد غيري!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى