رؤي ومقالات

د. أسامة حمدي يكتب:لهذه الأسباب الخمسة.. لا لطب الكليات الخاصة

سمعة الطب المصري التي ميزتها سنوات طوالًا في الخارج والداخل أصبحت الآن على المحك أمام سطوة المال، والقرارات الغير المدروسة جيدًا. وعادة ما نلجأ إلى حلول تجعل المشكلة اكثر تعقيدًا، وتؤخر حلها حتى تصبح يومًا بلا حل! فمصر تعاني نقصًا في الأطباء، ومعروف للجميع أسباب هجرتهم الثلاثة: ضعف الرواتب، وصعوبة التدريب وندرة فُرصته، وتدهور بيئة العمل. ومع الأسف، تصور المسؤولون أن حل المشكلة هو في فتح كثير من كليات الطب، والتهاون في درجات القبول، حتى وصلت درجات القبول إلى ٥٠٪؜ في الجامعات الروسية على أرض مصر. ومع الحاجة الشديدة إلى العملة الصعبة، فتحت الجامعات الحكومية والخاصة الباب (على البحري) للوافدين الذين لا يستطيعون الدراسة في بلدهم، أو في أي مكان آخر، ليزاحموا الطالب المصري في فرصة تعليمه أو تدريبه، ويحرموا المجتمع من فرصتنا الثمينة لإنتاج طبيب مصري لخدمة “مصر” بالمواصفات العالمية. هذه القرارات المتسرعة عقّدت الأمور، وستؤدي -لا محالة- إلى تدهور مستوى الخريج المصري، وتؤثر تأثيرًا سلبيًا وسيئًا على تدريبه.
وفي ظل النقص الشديد لأماكن التدريب، والضغط الشديد على المستشفيات الجامعية الحكومية، نتيجة لزيادة أعداد الطلاب المقبولين بكليات الطب، أصبحت المستشفيات الجامعية الحكومية مكتظة بالمتدربين، وأصبح أعضاء هيئات التدريس مشتتين بين الجامعات الحكومية والأهلية والخاصة سعيًا وراء زيادة دخولهم؛ مما يؤثر سلبًا على الجامعات الحكومية، وعلى مستوى خريجيها؛ لذا طالبت وأطالب “أن تكون الجامعات الحكومية والأهلية المنبثقة عنها للطالب المصري فقط، يدخلهما الطالب المصري المتفوق وغير القادر (حكومية) والقادر (أهلية)، لأن هذه الجامعات بها مستشفيات جاهزة للتدريب بما يكفي طلابها فقط، كذلك لعدم تشتيت أعضاء هيئة التدريس، وذلك حفاظًا على سمعة الطبيب المصري الذي نحتاج إليه بشدة، ونحرص على كفاءة تدريبه”
أما الطالب الوافد من جميع بلاد الأرض فمرحبًا به وبعملته الصعبة وسياحته التعليمية فقط في الجامعات الخاصة، والمتخرج من الجامعات الروسية مرحبًا به للعمل في روسيا إن وافقت هى على ذلك وهو مستحيل أن تقبل، أو البديل أن تُغلَق كليات الطب الخاصة تمامًا وتدريجيًا أمام الجميع.
وهذه أسباب اعتراضي الخمسة على كليات الطب الخاصة:
١- تسحب هذه الجامعات أعضاء هيئة التدريس من الجامعات الحكومية بدلًا من أن يكون لها هيئات تدريس منفصلة لا تعمل إلا فيها -وهو ما كان يجب أن يكون- مما يؤثر سلبًا على كفاءة التدريس للطالب المصري في الجامعات الحكومية ويضعف مستواه.
٢- كثير من هذه الكليات بلا مستشفى تعليمي حقيقي على غرار المستشفيات الجامعية الحكومية. ورغم إتاحة الفرصة لها لبناء مستشفياتها خلال ٣ سنوات، فإن معظمها تقاعس عن ذلك لسابق معرفتها بالتكلفة العالية لإنشاء وإدارة مستشفى بالمقارنة بالربح الضخم الذي يجنوه فورًا من كلية الطب وحدها، أو بني بعضها -عن سابق معرفة وترصُّد- مستشفى فاخرًا لا يصلح أصلا للتعليم، ولكن للإيحاء فقط بوجود مستشفى لديها.
٣- تسببت هذه الكليات في تكدس الطلاب للتدريب في المستشفيات الجامعية الحكومية بعد أن تعاقدت معها لتدريب طلابها مقابل المال الذي تدفعه الكلية أو المتدرب، فأصبحت فرصة التدريب لخريجي الجامعات الحكومية والأهلية المنبثقة عنها ضعيفة وغير جيدة، فكل متدرب من الجامعات الحكومية يزاحمه اثنان أو ثلاثة. فمثلًا، تقبل جامعة القاهرة طلابًا للتدريب من ثلاث جامعات خاصة إلى جانب طلابها! فأي تدريب هذا الذي ننشده؟!
٤- مع أن هذه الكليات أنشئت من خلال جمعيات غير هادفة للربح “على الورق”، فإنها تعمل بهدف الربح، والربح فقط، وتقبل هذه الكليات الطلاب بمصاريف خيالية، قد تصل إلى أكثر من ٤٠٠ ألف جنيه في السنة الواحدة، وتقبل طلابًا بفارق كبير عن مجموع القبول بالجامعات الحكومية، فحققت بذلك طبقية فاشلة أساسها تعليم الطب لمن يدفع أكثر، وتخلت تمامًا عن أي مسؤولية اجتماعية.
.
٥- وصل العبث أن تقبل بعض هذه الكليات الطلاب المصريين الفاشلين دراسيًّا بمجموع ٥٠٪؜! فأي أطباء سيكون هؤلاء في المستقبل؟! وهو ما حدا ببعض الدول العربية أن تقرر ألا تقبل خريجي هذه الجامعات، وتهبط بسمعة الطب المصري الذي حافظ عليه لسنين الى الحضيض.
لذا أرى وأصر على ضرورة الغلق التام والتدريجي لهذه الكليات الخاصة، أو قصر الدراسة بها على الطلبة الوافدين فقط، والذين لن يُصرح لهم بالعمل في مصر، وعلى أن تدبر هذه الكليات أعضاء هيئة تدريسها المستقلين بها بعيدًا عن المستشفيات الجامعية، وتبني مستشفياتها الخاصة بها بدلًا من أن تعيش طفيلية على الجامعات الحكومية؛ تستنزف أعضاء تدريسها، وتزاحم طلبتها وخريجيها في التدريب.
فهل توافقونني؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى