الأربعاء , يناير 27 2021

تامر الصباغ يكتب : إبراهيم اصلان .. قمة أدبية عرفت ولم تكتشف بعد !

…وتظن أنت أن العم ( إبراهيم أصلان) كاتب كبير،شاطر،يلتقط القصة من الهامشي والمعتاد، يدقق في اختيار المفردة،ماكر فى تحديدزاوية الرؤية،محايد إلى حدما.

 وتظن أنت أن هذا الرجل ذوالشعر الكثيف والشارب الثقيل،والعينين الصافيتين الواسعتين قاص بدرجة فنان،صاحب حساسية خاصة فى فنه ولغته،مفتون بحركة الكاميرا،بالضوء والظل،دقيق فى كلماته ،شحيح في انفعالاته،حريص أن يترك عن نفسه مثلما فى قصصه نهاية مفتوحة.

لكن ماالذي تعرفه عن إبراهيم أصلان؟

 ولد في شبشير الحصة /طنطا، عاش وتربي مع أسرته فى الكيت كات/ إمبابة، مات فى المقطم سنة 2012عن سبعة وسبعين عاما، لم يكمل تعليمه،كتب ثلاث مجموعات قصصية وأربع روايات وثلاثة كتب عن مشاهدات وذكريات، أول أعماله القصصية (بحيرة المساء) كتبت فى الستينيات ونشرت بداية سبعينيات القرن الماضى،وآخر أعماله (صديق قديم جدا)، أما أشهر أعماله فهى روايتيه(مالك الحزين)،والتى قدمها المخرج داودعبدالسيد للسينما تحت عنوان( الكيت كات) فعشنا مع الشيخ حسنى ويوسف النجار والهرم،بكينا وضحكنا داخل حارات إمبابة،والرواية الأخرى(عصافير النيل)، والتى قدمها المخرج (مجدى أحمدعلى) فيلما بنفس العنوان، لنتابع عبدالرحيم موظف البريدوأخته وأسرتها فى إمبابة عبر فترة زمنية طويلة،آثر أصلان ان يقدم شكلا مختلفا لرواية الأجيال عبرها، كما فعل الروائي محمدالبساطى فى روايته ( أوراق العائلة) وكما فعل من قبل الروسي العظيم (تشيكوف) فى روايته(ثلاث سنوات)، خلافا لشكل الرواية النهرية عند تولستوى وشولوخوف وتوماس مان ومحفوظ.

تعرف انت أن أصلان نشر قصصه الأولى فى مجلة يحيى حقي،وأنه وجد منه رعاية ونصح،حتي ربت على كتفه مرة وقال فى حنو أبوى: ياابنى من ألف استهدف، نصحه الشاعر العراقى عبدالوهاب البياتى أن يحرص على مسافة بينه وبين الواقع حتى لاينكسر قلبه، تابعه نجيب محفوظ وزكاه لمنحة تفرغ عند وزارة الثقافة؛ فكتب مالك الحزين، احتفت به مجلة (جاليرى 68)- لسان جيل الستينيات- وقدمت عنه ملفا وهوفى بداياته، بحث عنه الروائي السودانى الكبير( الطيب صالح) فى مؤتمر للأدباء العرب فى العراق وضمه وشدعلى يده معربا عن حبه لكتابته، تعرف أنه سلك طريقا جديدا فى القصة القصيرة بعيدا عن حوشية يوسف إدريس،وجيشان إدوارالخراط ،وفيه أصداء هيمنجواى وتشيكوف،تعرف أيضا ان أصلان كان طفلا(شقيا) يحب الصيد واللعب والسباحة فى النهروالكتب والموسيقى.

كل هذا تعرفه عن إبراهيم أصلان،نعم، لكن انظر معى،تعالى،انظر

 هل تري ذلك الشيخ دائم الشباب العاكف على( شلة )خيط متشابكة ومعقدة،وهو بأناة ورقة يسحب طرفا هنا ويسل آخر هناك،فتري انت الخيوط التى التقطها قدصارت وردات وفراشات ومراكب ورقية،وغنوة مسائية،وقلة ماء فى يدعطشان،ومرآة صغيرة بيضاوية تعكس شيئا من وهج المساء ونور الحارات الترابية الرطبة. دون ان تفقدتلك الخيوط علاقتها بواقعها المعقد والمتشابك.

هل تعرف هذا الشيخ الشاب؟،إنه إبراهيم أصلان!!.

يبدو انك لم تعرفه بعد،تعالى

أنظر.

 هل تري ذلك العاكف على صينية نحاس،يضمها فى حجره،بأصابع رهيفة يؤطرها وينقش سطحها الأبكم بنقوش دقيقة رقيقة رغم أنها غائرة في لحم النحاس،يرفع رأسه بين حين وآخر ويسنده على جدار قديم،وجهه طيب ،رقبته طويلة،شعره كثيف شائب،يشرد طويلا،يستحلب سيجارته،ويتأمل الليل على النهر،وهالة الشعر الأبيض تنير وجهه.

هذا عمك إبراهيم أصلان كاتب القصة المصري.

 كتب ( وردية ليل) بمرود الفن،يلتقط بعضا من جبل الكحل ويرشه على ورقة بيضاء فتنشأ لوحة كما لوحات الحبر الصينى القديمة،تظنها مسألة هينة وهى فى لغة الفن عظيمة،تبدو لك كخيوط ضعيفة،ذلك أنه أخفى صلابة عمله كما يخفى جدار دعاماته،أوكما يخفى تقى إحسانه.

 هذا هو عمك إبراهيم أصلان.

يقول أصلان أنه في بداية حياته كتب الشعر والخواطر،لكنه لم يكن يعرف مايريد،حتى وقعت فى يده ترجمة القصاص لمختارت من قصص الروسي تشيكوف،وقرأ هو القصة الشهيرة( موت موظف)؛ فقال :عرفت أن هذا الأطار مايريد كتابته وهو مايناسبنى.

مايناسب أصلان هو ما أريدك أن تعرفه.

تحدث أصلان عن الشكل وعما يناسبه،وقديما قالت أحدى الباحثات أن التواضع لدى تشيكوف لم يكن فقط قيمة روحية ولكنه كان أيضا قيمة جمالية،فهل عرفت مايناسب أصلان؟

هل تعرف ياصديقى الشظية التى يفرح بلقياها الأثريون،يدرسونها بدقة ويرتبون أشباهها ويحفظونها فى أطر زجاجية مع بطاقات تعريف،تلك القطع الصغيرة التى تبدو لك صغيرة جداولايؤبه لها،لكنها فى الحقيقة إشارة وكتاب تاريخ كامل حوت إرثا روحيا واجتماعيا لزمن بأكمله،هذه القطع تشبه فى قيمتها قصص أصلان وحكاياته.ولاتستغرب ان ترى اصلان يحتفى فى كتاباته بالأشياء الصغيرة( مطفأة خزف،مرآة بيضاوية،مرود كحل، مكحلة صغيرة، درج مكتب، شريحة زجاج، ساعة جيب،قصبة صيد،جرامفون،قلم أبنوس،قفص طيور).

عندما سأله محاور فى لقاء تليفزيونى : لماذا تكتب؟

قال بصوت خشن ومبحوح قليلا: الكتابة( ونسة)

لعل هذا أجمل واطعم تنظير يمكنك أن تسمعه عن الكتابةطول عمرك، 

وعندما سألته الكاتبة هالة البدرى عن أثر الموت الظاهر فى كتابته

أجاب، ربما بسبب لعبى وأنا صغير بجوار سيدى ( حسن أبوطرطور) ورؤيتى للجنازات

أنت قديضحكك هذا،لكن حذارى ان تسخر،لان أصلان عرف مايناسبه.

وربما هذا ماأردتك أن تعرفه عن الجميل إبراهيم أصلان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: