
نص: “ظل النافذة الثانية”
للشاعر: هاني النواف
الأجنحة خطيئة التحليق
ربما ستنسى المشي حافيا
كنت تصغي لفنارات مهجورة
حيث الشمس عجوز الموقد
تتلوى كتلويحة تخثرت
في الستين من اقتراب
يشبه غنة الحيرة
ماذا عن ظمأ التيه في وجهك
وندبة نافرة
تفرك بالضوء ظلالها
لونا مخنوقا
بانحسار السكوت
كان عليك أن تجيء
كي تراوغ كناية الطين
ترمم بالنسيان جسد الحداء
هاربا برائحة النبوءات
وحالما برماد وردة
بعاصفة تنمو في نبرة صوتك
تملأ فراغا ينبت في يدك
ململما لها ما تناثر هناك
من رذاذ رتابة هرمت
كالبزوغ الذي يشيخ بلذة جذلى
بملامح اشتهاء
تكسرت بين أضلاعك
كأنه التفات كفيف
تعتّق حولها،
وماء لفم امرأة
طرقت باب البرد.
القراءة النقدية: “ظل النافذة الثانية”
بقلم: ليلى صليبي
ينتمي هذا النص إلى قصيدة النثر ذات الكثافة الرمزية العالية، حيث لا يبنى المعنى على السرد أو الحكاية، بل على شبكة من الصور والاستعارات التي تتداخل لتشكل تجربة شعورية وفكرية مفتوحة على التأويل. ومنذ العنوان “ظل النافذة الثانية” يضعنا النص أمام فضاء ملتبس؛ فالنافذة عادة رمز للرؤية والانفتاح، أما الظل فهو ما يتبقى من الضوء حين يحجب. هكذا يتأسس النص على جدلية الحضور والغياب، والرؤية والتواري.
يفتتح الشاعر نصه بصورة لافتة: “الأجنحة خطيئة التحليق”، وهي مفارقة شعرية تقلب العلاقة المألوفة بين الجناح والطيران. فالأجنحة التي خلقت للتحليق تصبح سببا للخطيئة، وكأن كل محاولة للتجاوز أو الارتفاع تحمل في داخلها بذرة الفقد والانفصال عن البراءة الأولى، وهو ما تؤكده العبارة التالية: “ربما ستنسى المشي حافيا”. هنا تتجلى مواجهة بين الأصل والتجاوز؛ بين الأرض بما تمثله من بساطة وجذرية، والسماء بما تمثله من توق قد يفضي إلى الاغتراب.
وتتوالى الصور عبر بناء حلمي تتشابك فيه الأزمنة والأمكنة: “فنارات مهجورة”، “الشمس عجوز الموقد”، “تلويحة تخثرت”. وهي صور لا تسعى إلى الوصف المباشر، بل إلى خلق مناخ من الأفول والذبول، حيث تتحول الأشياء الحية إلى كائنات أنهكها الزمن. ولعل أجمل ما في هذه المقاطع قدرة الشاعر على منح العناصر الجامدة حياة داخلية تجعلها شريكة في التجربة النفسية للنص.
في المقطع الأوسط ينتقل النص من الخارج إلى الداخل، من المشهد إلى الجرح. فالظمأ والتيه والندبة ليست عناصر منفصلة، بل وجوه متعددة لفقد وجودي عميق. وتبرز صورة “ندبة نافرة تفرك بالضوء ظلالها” بوصفها من أكثر الصور توترا وجمالا؛ إذ يجتمع فيها الضوء والظل، الشفاء والألم، الحضور والمحو، ضمن حركة دائمة لا تعرف الاستقرار.
أما عبارة “تراوغ كناية الطين” فتفتح أفقا تأويليا واسعا؛ فالطين يحيل إلى الأصل الإنساني، وإلى الثقل الأرضي, وربما إلى الذاكرة الأولى. والمراوغة هنا ليست هروبا من الأصل بقدر ما هي محاولة لإعادة تشكيل العلاقة معه. لذلك يأتي فعل “ترمم بالنسيان جسد الحداء” ليعبر عن سعي الذات إلى النجاة من أثقال الذاكرة عبر النسيان، وإن كان هذا النسيان نفسه يبدو هشا وعاجزا عن محو أثر النبوءات ورائحتها العالقة.
ويبلغ النص ذروة اشتغاله الجمالي في مقاطعه الأخيرة، حيث تتكاثف الصور في بناء مشهدي شديد الشعرية: “رماد وردة”، “عاصفة تنمو في نبرة صوتك”، “فراغ ينبت في يدك”. هنا تتحول المجردات إلى كائنات حية، ويصبح الصوت تربة للعاصفة، واليد حقلا للفراغ. إنها لغة لا تصف الواقع، بل تعيد خلقه وفق منطق شعري خاص.
ويأتي الختام بصورة آسرة: “وماء لفم امرأة طرقت باب البرد”. صورة تجمع بين العطش والارتواء، وبين الدفء والبرد، وبين الرغبة والهشاشة. وهي خاتمة لا تغلق النص، بل تتركه مفتوحا على احتمالات عديدة، وتمنح القارئ إحساسا بأن ما قيل ليس سوى جزء من حكاية أعمق لم تفصح القصيدة عنها كاملة.
في مجمله، يقدم النص تجربة شعرية تعتمد على الانزياح اللغوي والتكثيف الدلالي، وتستند إلى خيال خصب قادر على إنتاج صور مبتكرة وغير مألوفة. وقد نجح الشاعر في بناء عالم شعري يتكئ على الإيحاء أكثر من التصريح، وعلى توتر الصورة أكثر من وضوح الفكرة، مما يمنح النص فرادته الجمالية وطاقته التأويلية الواسعة.
ختاما، أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى الشاعر “هاني النواف” على هذه القصيدة الثرية بالدلالات والرؤى، والتي فتحت أمام القارئ نوافذ متعددة للتأمل في الذات والوجود والذاكرة. لقد استطاع أن ينسج نصا يتجاوز المباشرة إلى رحابة الإيحاء، وأن يمنح الصورة الشعرية قدرة على استنطاق المعنى واستفزاز الفكر والوجدان معا.
كل التقدير لهذا الجهد الإبداعي الجميل، مع أطيب الأمنيات للشاعر بمزيد من التألق والعطاء الشعري المميز.