رؤي ومقالات

إبراهيم نوار يكتب:أمريكا تكتشف أن طريقها للنمو يمر عبر سوق الصين العظيم

بينما النفط يقود الصادرات الأمريكية في السنوات العشر الأخيرة أصبحت السلع التكنولوجية المتقدمة هي قاطرة نمو الصادرات الصينية خلال الفترة نفسها. وقد وجدت الولايات المتحدة نفسها في مأزق بسبب الحرب التجارية مع الصين، ويبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أدرك وهو في طريقه للقاء الرئيس الصيني في بكين أن طريق أمريكا للنمو يمر بالضرورة عبر السوق الصينية. الحرب التجارية مع الصين لم تؤد إلى تخفيض العجز التجاري الأمريكي مع العالم مع أنها ساعدت على تخفيضه مع الصين. وقد أظهرت أحدث صورة للميزان التجاري بين البلدين مفارقة مهمة هي أنه رغم انخفاض العجز التجاري الثنائي بين الولايات المتحدة والصين فإن العجز التجاري الإجمالي للولايات المتحدة مع العالم لا يزال كبيرا جدا. الوجه الآخر للمفارقة هو أن الفائض التجاري للصين مع العالم إرتفع إلى مستويات قياسية رغم الحرب التجارية الأمريكية متجاوزا تريليون دولار للمرة الأولى في العام الماضي. السبب في ذلك يعود إلى أن العقوبات التجارية الأمريكية ضد الصين لم تنشئ فرصا تجارية جديدة للمنتجين الأمريكيين، وإنما أدت إلى تحويل الواردات الأمريكية من الصين إلى دول أخرى مثل البرازيل والمكسيك. وبينما عجز المنتجون الأمريكيون عن تعويض خسارة السوق الصينية، فإن المنتجين الصينيين نجحوا في فتح أسواق جديدة تعوض خسارتهم في السوق الأمريكية، وتمكنوا من زيادة قيمة صادراتهم إلى دول العالم خارج الولايات المتحدة ما أسفر عن تحقيق فائض تجاري قياسي. وغالبا ما يتم تقييم السياسة التجارية، بما في ذلك العقوبات والرسوم الجمركية الانتقامية على أساس ما تسفر عنه من خلق تجارة جديدة، وهو أثر إيجابي، أو الاقتصار على تحويل التجارة من بلد إلى آخر، وهو أثر سلبي، لأن عملية الانتقال إلى موردين آخرين تنطوي على تحويل التجارة بعيدا عن المنتج الأكثر كفاءة و الأعلى تنافسية إلى المنتج الأقل كفاءة والأقل تنافسية. ويبدو أن أزمة الاقتصاد الأمريكي قد وصلت إلى درجة عالية من التعقيد بسبب نواحي خلل هيكلية في العرض والطلب، جعلت من الولايات المتحدة في السنوات العشر الأخيرة على الأقل دولة تعتمد إلى حد كبير في زيادة صادراتها على النفط الخام والغاز ومشتقات كل منهما إضافة إلى السلع الزراعية والمواد الخام. في الوقت نفسه فإن صناعاتها التكنولوجية المتقدمة تواجه صعوبات بالغة تعود إلى ظهور منافسين جدد، أهمهم الصين، كما تعود إلى خلل في سلاسل الإمدادات نظرا لأن الصين استطاعت خلال السنوات العشر الأخيرة على الأقل أن تتواجد بقوة في سلاسل الإنتاج العالمية الرئيسية مثل السيارات والإلكترونيات ومعدات وأنظمة الطاقة الجديدة وأن تسيطر على الحلقة الأولى في سلاسل إمدادات المنتجات الإليكترونية الدقيقة المتقدمة من خلال احتكار سوق المعادن النادرة تقريبا.
ضعف الصادرات الأمريكية
على صعيد التجارة السلعية الثنائية بين الولايات المتحدة والصين، تؤكد إحصاءات العام الماضي أن قدرة نفاذ الصادرات الأمريكية إلى أسواق الصين تعادل فقط ثلث قدرة الصادرات الصينية على النفاذ إلى أسواق الولايات المتحدة. وطبقا للبيانات الصادرة عن مكتب الممثل التجاري الأمريكي وإحصاءات الجمارك فإن قيمة صادرات السلع الأمريكية إلى الصين بلغت حوالي 106 مليارات دولار، في حين بلغت قيمة الواردات السلعية من الصين حوالي 308 مليارات دولار، أي أن العجز في ميزان التجارة السلعية الذي تعاني منه الولايات المتحدة مع الصين يبلغ 202 مليار دولار. ومع ذلك فإن تلك الأرقام تعد جيدة جدا مقارنة بالعام السابق (2024) لأنها أقل بنسبة الثلث تقريبا (32 في المئة)، وتمثل أقل مستوى للعجز في السنوات العشرين الأخيرة. وعلى النقيض من الحالة الأمريكية فقد حققت الصين فائضا تجاريا قياسيا (في تجارتها مع العالم) بلغ حوالي 1.2 تريليون دولار في العام الماضي.
في عام 2025، استحوذت الطاقة والزراعة والمواد الخام حصة كبيرة من إجمالي صادرات البضائع الأمريكية، مما يعكس التوجه المتزايد لسيطرة السلع الأساسية على قطاع التصدير الأمريكي. ومن إجمالي الصادرات السلعية التي بلغت حوالي 2.18 تريليون دولار بلغت قيمة صادرات النفط الخام 109.5 مليار دولار بنسبة 5 في المئة، والمنتجات البترولية المكررة 224.6 مليار دولار بنسبة 10.3 في المئة، وبلغت قيمة صادرات الغازات البترولية (المسال والطبيعي) 100.3 مليار دولار بنسبة 4.6 في المئة. وبذلك فإن إجمالي صادرات قطاع النفط والغاز في العام الماضي بلغ 434 مليار دولار بنسبة 20 في المئة من الصادرات السلعية. أما صادرات السلع الزراعية و تشمل فول الصويا والذرة والقمح واللحوم والقطن والزيوت الغذائية والصادرات ذات الصلة في العام نفسه فقد بلغت حوالي 180 – 195 مليار دولار بنسبة تتراوح بين 8 إلى 9 في المئة. أما صادرات الخامات والمواد الأولية و تشمل سلع مواد الطاقة غير النفط والغاز والمعادن والمواد الكيميائية والمواد الأولية والأخشاب والمعادن وغيرها من الصادرات ذات القيمة المنخفضة فقد سجلت حوالي 300 إلى 350 مليار دولار بنسبة تتراوح بين 14 إلى 16 في المئة من الصادرات الإجمالية. وبذلك فإن الصادرات السلعية الأمريكية ذات القيمة المضافة المنخفضة تشكل ما يصل إلى 45 في المئة تقريبا من إجمالي الصادرات السلعية. هذا التركيب السلعي للصادرات يجعل الاقتصاد الأمريكي أقرب إلى نمط صادرات الدول النامية، من حيث انخفاض القيمة المضافة للصادرات، مقارنة بالدول الصناعية المتقدمة التي تتميز بارتفاع القيمة المضافة واتساع نطاق عملية التصنيع.
البعض يعتقد أن ارتفاع نسبة النفط والغاز في الصادرات إلى 20 في المئة يعزز قوة الولايات المتحدة في قطاع الطاقة في مواجهة منظمة أوبك وروسيا. هذا صحيح ويؤثر بالقطع في اتجاه الأسعار، لكن الولايات المتحدة تحقق ذلك بتكلفة باهظة اقتصاديا وتكنولوجيا، حيث تخلفت في تكنولوجيا الطاقة الجديدة والمتجددة وراء الصين، كما أن عائد الفرصة البديلة لتصدير سلع مصنّعة أعلى بكثير من تصدير المواد الخام. في كل الأحوال فإن متوسط حصة المواد الخام والسلع الزراعية من صادرات الدول الصناعية تتراوح بين 5 إلى 15 في المئة، بينما هي ترتفع في الولايات المتحدة إلى 25 في المئة، في حين تبلغ في ألمانيا 8.5 في المئة بما في ذلك المنتجات الغذائية. أما بالمقارنة مع الصين فإن نسبة المنتجات الصناعية في الصادرات ترتفع الى ما يتراوح بين 92 إلى 95 في المئة، و تتوزع النسبة المتبقية على السلع الزراعية (3 – 4 في المئة) و المواد الخام المعدنية (1 – 2 في المئة) والوقود (2 – 3 في المئة). هذه المقارنة تظهر بوضوح أن الصين تعتمد على المزايا التنافسية في تعظيم العائد من التصدير، في حين أن الولايات المتحدة تعتمد على المزايا النسبية (الوفرة). وهناك فارق كبير بين الإثنين، لأن المزايا النسبية تعتمد على الطبيعة والموقع والموارد في حين أن المزايا التنافسية تعتمد على كفاءة العمل ورأس المال والتكنولوجيا والتنظيم. وبفضل المزايا التنافسية تحقق انتقال الصين من صادرات التجميع كثيفة العمالة، نحو الصادرات كثيفة التكنولوجيا والمهارات البشرية ومنها الإلكترونيات، السيارات الكهربائية، البطاريات ، معدات الاتصالات ، تكنولوجيا الطاقة الشمسية ، أشباه الموصلات ، الآلات الصناعية ، والنظم الإيكولوجية للأجهزة الرقمية.
اعتماد أمريكي على النفط والغاز
خلال السنوات العشر الأخيرة فشلت الولايات المتحدة في دفع نمو الصادرات بواسطة محركات صناعية/تكنولوجية واتجهت للتركيز على القطاعات التقليدية (الزراعة والمواد الخام والبترول والغاز) التي تعتمد عليها الدول النامية. ونحن نعلم ان النفط والغاز يمثلان حلم الثراء في الدول النامية التي تريد الخروج من الفقر. وتشير المقارنة بين أرقام الصادرات الأمريكية في عامي 2025 و 2015 إلى أن التغيير الجوهري في هيكل الصادرات، والمحرك الأساسي لزيادة إيرادات التصدير يتمثل في صادرات النفط والغاز. وقد ارتبط دور هذا المحرك بتغييرين جوهريين في السياسة الاقتصادية الأمريكية، الأول هو إطلاق التصدير، والثاني هو إطلاق التنقيب عن النفط والغاز في أماكن كانت محظورة لأسباب بيئية تم إسقاطها. في عام 2015 بلغت قيمة صادرات النفط والغاز الأمريكية حوالي 111.7 مليار دولار بنسبة 7.4 في المئة من إجمالي الصادرات، مقارنة بحوالي 434 مليار دولار بنسبة 20 في المئة من إجمالي الصادرات في العام الماضي. هذا يعني أن قيمة صادرات الطاقة تضاعفت إلى 4 أمثال ما كانت عليه، كما تضاعف وزنها النسبي إلى إجمالي الصادرات بمقدار ثلاث مرات تقريبا. وإذا عدنا إلى تحليل أرقام الصادرات خلال فترة المقارنة، نجد أن المجموعات السلعية الأخرى في هيكل الصادرات الأمريكية بقيت على حالها تقريبا أو زادت بنسب طفيفة. على سبيل المثال كانت نسبة الصادرات الزراعية في عام 2015 حوالي 9.7 في المئة من إجمالي الصادرات وبلغت بعد عشر سنوات ما يتراوح بين 8 إلى 9 في المئة، كما بلغت نسبة المعادن والمواد الخام في عام 2015 حوالي 9 في المئة مقابل ما يتراوح بين 7 – 8 في المئة عام 2025. وحتى تكتمل الصورة وضوحا فإن تطور نصيب صادرات السلع التكنولوجية المتقدمة من إجمالي الصادرات الأمريكية يخبرنا بأن الزيادة التي حققتها الولايات المتحدة خلال عشر سنوات كانت ضئيلة، حيث بلغ نصيب صادرات تلك المجموعة السلعية في العام 2025 ما يتراوح بين 24 – 26 في المئة من إجمالي الصادرات مقارنة بحوالي 22 – 23 في المئة في عام 2015، أي أن أهميتها النسبية زادت بمقدار 3 نقاط مئوية فقط في عشر سنوات. و من ناحية القيمة المطلقة لصادرات السلع الصناعية التكنولوجية المتقدمة نجد أنها بلغت في العام 2025 حوالي 500 إلى 550 مليار دولار مقابل 343 مليار في عام 2015. هذا يعني أن الزيادة في قيمة صادرات تلك المجموعة السلعية في عشر سنوات تقريبا بلغت 207 مليارات دولار بنسبة زيادة 60 في المئة تقريبا موزعة على عشر سنوات، بمعدل 6 في المئة. سنويا، ينخفض إلى 3 في المئة على أحسن الفروض بعد خصم نسبة التضخم. من هنا يتضح أن صادرات الوقود هي التي لعبت دور المحرك الأول لزيادة الصادرات الأمريكية خلال السنوات العشر الأخيرة، وهو ما يجعلنا نضع علامات استفهام كبيرة على تنافسية الولايات المتحدة في قطاع الصناعات التكنولوجية المتقدمة مقارنة بالصين. على العكس من الولايات المتحدة فإن قطاع الصناعات المتقدمة هو المحرك الذي يقود التوسع في الصادرات الصينية وزيادة قيمتها المضافة.
الصورة في الصين تبدو على العكس تماما، حيث تضاعفت قيمة صادرات السلع التكنولوجية المتقدمة على الرغم من القيود التي تعرضت لها في أسواق الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان وغيرها من الدول الصناعية. وقد تراوحت حصة صادرات السلع التكنولوجية المتقدمة في إجمالي الصادرات الصينية عام 2015 بين 29 إلى 33 في المئة، قفزت في نهاية عام 2025 إلى ما يتراوح بين 40 إلى 48 في المئة، وأصبح هذا القطاع هو المحرك الرئيسي لنمو الصادرات الصينية. وتشمل صادرات التكنولوجيا المتقدمة الهواتف الذكية، وأجهزة الكمبيوتر، ومعدات الاتصالات، والإلكترونيات الاستهلاكية (مثل الألعاب). وقد تجاوزت حصة المنتجات الكهربائية والميكانيكية والإلكترونية نسبة 60 في المئة من صادرات الصين في العام الماضي
وشملت قطاعات النمو الرئيسية : السيارات الكهربائية، بطاريات الليثيوم، مكونات أجهزة الطاقة الشمسية الشمسية، إلكترونيات الطاقة، دوائر الموصلات المتكاملة، معدات الأتمتة الصناعية، و أنظمة التكنولوجيا النظيفة. وتستحوذ الصين وحدها على ما يتجاوز كل ما تنتجه دول العالم الأخرى، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، وتتمتع بقدرات تنافسية جبارة من الصعب التفوق عليها. في هذا السياق تراجعت الولايات المتحدة عن توسيع نطاق الحرب التجارية مع الصين سعيا إلى إدارة المنافسة الصناعية والتكنولوجية بطريقة لا تتسبب في حرمان الشركات الأمريكية من السوق الصينية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى