رؤي ومقالات

حسام السيسي يكتب :كمائن الحقيقة التي تحاصر الأنظمة العربية

ربما يكون أخطر ما تواجهه بعض الأنظمة العربية اليوم ليس إيران، ولا إسرائيل، ولا حتى التحولات الدولية المتسارعة، بل انهيار النموذج الذهني الذي بنت عليه قراراتها الاستراتيجية طوال عقود.
لذلك أجد نفسي أعود مجددًا إلى السؤال الذي حاولت مناقشته في كتاب كمائن الحقيقة: ماذا يحدث عندما تتحول حقيقة جزئية إلى عقيدة كاملة؟ وماذا يحدث عندما تبني دولة مستقبلها على افتراضات كانت صحيحة في لحظة ما، ثم يتغير العالم بينما تبقى هي أسيرة تلك اللحظة؟
لسنوات طويلة استندت أجزاء من النظام العربي إلى مجموعة من المسلمات التي بدت غير قابلة للنقاش:
أن الولايات المتحدة قادرة دائمًا على فرض ما تريد.
وأن إسرائيل تمتلك تفوقًا يسمح لها بحسم أي مواجهة كبرى.
وأن التحالف مع واشنطن وتل أبيب يوفر مظلة أمنية دائمة.
وأن أي مشروع مقاوم أو معارض لهذه المنظومة محكوم عليه بالانهيار عاجلًا أم آجلًا.
لم تكن هذه الأفكار أكاذيب كاملة. وهنا تكمن المشكلة.
فالولايات المتحدة كانت بالفعل القوة الأعظم.
وإسرائيل امتلكت بالفعل تفوقًا عسكريًا وتكنولوجيًا نوعيًا.
والتحالف مع واشنطن منح حلفاءها مكاسب وضمانات حقيقية لعقود.
لكن ما كان صحيحًا في مرحلة تاريخية معينة تحول تدريجيًا إلى ما أسميه “كمين الحقيقة”: حقيقة جزئية جرى تعميمها خارج شروطها الزمنية والسياسية.
اليوم يبدو المشهد مختلفًا.
الولايات المتحدة ما زالت القوة الأقوى عالميًا، لكنها لم تعد قادرة على إدارة الشرق الأوسط بالطريقة نفسها التي أدارته بها قبل عشرين أو ثلاثين عامًا.
وإسرائيل ما زالت تمتلك تفوقًا نوعيًا، لكنها تواجه بيئة إقليمية أكثر تعقيدًا واستنزافًا من أي وقت مضى.
أما الحلفاء العرب، فيكتشف بعضهم أن المظلة الأمنية لا تعني بالضرورة الحماية من كل الأخطار، ولا القدرة على منع كل الأزمات.
من هنا أفهم القلق المتزايد داخل عدد من العواصم العربية.
فالصدمة الحقيقية ليست في صعود إيران أو حلفائها بقدر ما هي في اهتزاز اليقين القديم.
عندما تصبح قوة التعطيل قادرة على منع الحسم.
وعندما تتحول الحروب من مواجهات قصيرة إلى استنزاف طويل.
وعندما تصبح كلفة الانتصار أحيانًا أكبر من كلفة عدم خوض الحرب أصلًا.
فإن كثيرًا من المسلمات التي حكمت المنطقة تبدأ بالتآكل.
لكن هل يعني ذلك أن #إيران انتصرت؟
في تقديري، لا
.
فالخلط بين نجاح إيران في تعطيل خصومها وبين تحقيق انتصار استراتيجي شامل يمثل كمين حقيقة جديدًا.
ما أثبتته السنوات الأخيرة هو أن إيران نجحت بدرجات متفاوتة في بناء قدرة تعطيل مؤثرة. أي أنها استطاعت رفع كلفة المواجهة على خصومها ومنع تحقيق حسم سهل ضدها أو ضد بعض حلفائها.
لكن التعطيل ليس مرادفًا للهيمنة.
وليس مرادفًا للازدهار الاقتصادي.
وليس مرادفًا لحل الأزمات الداخلية.
إنه يمنع الخصم من الانتصار الكامل، لكنه لا يمنح صاحبه بالضرورة انتصارًا كاملًا.
ولهذا فإن المنطقة كلها تبدو عالقة بين نموذجين مأزومين:
نموذج راهن على المظلة الأمريكية باعتبارها قدرًا دائمًا.
ونموذج راهن على الاستنزاف باعتباره طريقًا مضمونًا للنصر.
وكلاهما يواجه حدود قوته.
لهذا أعتقد أن الأزمة الحقيقية التي تواجه بعض الأنظمة العربية اليوم ليست أزمة عسكرية أو أمنية فقط، بل أزمة إدراكية.
أزمة تتعلق بطريقة فهم العالم.
طريقة قراءة موازين القوى.
طريقة تفسير التحولات الجارية.
فالخطر الأكبر على الدول لا يبدأ عندما تتغير الوقائع، بل عندما تتغير الوقائع بينما يظل العقل السياسي يعتقد أن شيئًا لم يتغير.
وهنا تحديدًا تصبح الحاجة إلى مراجعة الفرضيات أكثر إلحاحًا من امتلاك المزيد من السلاح.
لأن الدول لا تسقط دائمًا بسبب نقص القوة.
أحيانًا تسقط لأنها ظلت تتصرف وفق خريطة قديمة بينما كان العالم كله يعيد رسم حدوده من حولها.
وهذه، في جوهرها، هي الرسالة الأساسية التي حاولت مناقشتها في كمائن الحقيقة: أن أخطر ما يواجه صانع القرار ليس الكذبة الواضحة، بل الحقيقة التي يثق بها أكثر مما ينبغي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى