
ـــــ إنها إمبراطورية الليل،لا أحد يكترث الآن بالثلوج، إنها تهطل بعيداً عن الأنظار المنهمكة في أشياء أخرى. أرجوكم يا أصدقائي ألا تموتوا، إن موتانا كثيرون”* ألكسندر سولجينتسين مؤلف رواية” أرخبيل غولاغ” التي هزت عرش الاتحاد السوفيتي مبكراً وتوقعت سقوطه عام 1973 من المنفى.
لا يقترب الخطاب السياسي من نقد العقل السياسي الرث،
وكشف مساوئ هذا العقل الاجتراري المعطوب المحاط
بهالة مزيفة رغم كل الشناعات التي ارتكبها في القرن الماضي واليوم
ورغم العناوين من اليمين واليسار لكنه عقل واحد،
تجمعه بنيات واحدة وأهداف واحدة: الاستحواذ، امتلاك الحقيقة، الاجترار، السطحية، المختلف عدو، وتجاهل البنية الاجتماعية والإفتتان بالسياسة والذات واستعراضها أمام الملأ،
وهذا “الإستعراء” بكلمة أدق ، عندما يحاول اثبات ذاته يحدث العكس: نفيها، لأن جمال الذات لا ينبع من الشكل والزخرفة والانشاء المدرسي والحذلقة وإلا صارت القبور المطلية بالرخام والزهور رمزا للجمال في حين تختفي في العمق جيفة نتنة.
كان يجب احداث قطيعة مع هذا العقل لكي لا يعيد انتاج نفسه ولكن لم يحدث هذا مع الاسف،
إما بدافع الخوف أو عدم إدراك عمق مأزق هذا العقل التبسيطي الشرير
القائم على المحو والاستحواذ وعقلية السلطة الانقلابية والحكم كفرصة سانحة وذهنية الأبيض والأسود وعقل الثنائيات،
والتعامل مع الثروة كغنيمة حرب ومع الشعب كأسرى معتقل كبير,
أو بسبب العاملين و الاكتفاء بنقد المؤسسات والقرارات هو هروب من المأزق المنتج،
لأن هذه ليست المرض بل الأعراض والفقاعات ليست قاع البحيرة. نقد المساوئ لسهولتها وعلنيتها لكن نقد العقل السياسي يحتاج الى بحث وتأمل.
غالبية شعوب العالم قامت بنقد العقل السياسي والاجتماعي والفلسفي والديني والاخلاقي والعقل الجنسي المؤسس على التمايزات والانحيازات العرقية والطبقية والخ، ولو وضعنا عبارة” نقد العقل” في محرك البحث لوجدنا عشرات الكتب في الشرق والغرب تتعرض لنقد وتفكيك العقل في صوره المتعددة،
إلا نحن رغم كل الكوارث، كما لو أن الاقتراب من هذا العقل الأجوف كالاقتراب من أفعى قاتلة،
هذا اذا كان هناك من إستشعر خطورة هذا العقل ومرات تحدثت عن” نقد العقل ومحاكم النهج” فسألني دكتور وروائي ومسرحي عن معنى” محاكم النهج؟”. دهشتُ من غرابة السؤال. محاكمة النهج طريقة تحليل وتفكيك السياسة والسلطة والحرية والعقلية وليس وضع الحاكم أمام مفرزة رصاص أو تحت حبال مشنقة فحسب ونكتشف في اليوم التالي ان العقل ظهر لنا بوجوه جديدة.
كل النقد يتوجه للمؤسسات والادارات والقرارات مع نسيان أو تجاهل أو إغفال للعقل المنتج لها وغيرها،
وهو عقل عاطل ويعاني من مأزق بنيوي لأن ” العقل” ليس المادة
العضوية الدماغ بل المحتوى الفكري والثقافي، وإذا كان هذا فارغاً فجعجعة بلا طحن، وعاصفة بلا هبوب وطلق بلا ميلاد،
ولو ظل الحاكم والمسؤول “يعصر” بالدماغ الليل والنهار فلا شيء ينتج
غير الضجيج والغبار: ماذا تنتج معصرة الفواكه الفارغة؟
لو كانت هناك مصدات سياسية وفكرية وثقافية رصينة ومعايير تداول للسلطة على أسس عادلة، لما استطاع حثالات بلا تعليم جدي قدموا من بقاليات ومن شوارع ومن ورشات ومواخير بسرقة المليارات علناً في بلاد يقال لها بلاد الحضارات.
إليا اهرنبورغ روائي روسي معروف ومؤلف الرواية الشهيرة” ذوبان الثلوج”
في اول مراجعة ثقافية منهجية للحكم الستاليني. شارك ايضا في الحرب الاهلية الاسبانية وكتب بالم عن ” سقوط باريس” خلال الاحتلال النازي.
صدرت رواية” ذوبان الثلوج” بعد عام من وفاة ستالين ومرحلته الارهابية،
وكان الخوف مسيطراً في النفوس،
وفي المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي ، أقر المؤتمر ما جاء في الرواية
التي كانت صرخة شجاعة من قلب الصمت والخوف والترقب.
إن ما أراد إهرنبيرغ قوله هو بالضبط: ” إن هذا لا يجب أن يستمر وعلينا القطيعة مع الفترة الوحشية والكف عن الصمت”.
تعتبر رواية ذوبان الثلوج نموذجا لمحاكم النهج والعقلية وبذلك كانت التمهيد الحقيقي لمراجعات واسعة بعد كسر جدار الخوف.
محاكم النهج ليست محاكم اقفاص ورصاص وحبال وشنق
على طريقتنا حيث يوضع الحاكم وبعض حاشيته على حائط ويتم افراغ الرصاص فيه لكن العقلية مستمرة.
النخب الادبية والثقافية في العالم قامت بمحاكم في نقد البنية الجوهرية للدكتاتورية. في امريكا اللاتينية مثلا كانت روايات مثل:
السيد الرئيس للغواتمالي أوسترياس، وخريف البطريرك لماركيز الكولومبي،
ورواية حفلة التيس لماريا فارغاس يوسا البيروفي وغيرها
قد فضحت اسس ثقافة الاستبداد والهيمنة واحدثت قطيعة مع ماضي الدكتاتورية في تلك الدول كنسق ثقافي عقلي وبنية صلبة والدكتاتور هو فرد في منظومة لا تموت بموته. هؤلاء الثلاثة حصلوا على نوبل.
تحول الخطاب السياسي في العراق بعد الاحتلال الى تعليق على نشرات الاخبار واخبار الفساد والسرقات،
بل صار البعض جزءا من الاحتراب الاهلي كما كان قبله غارقا في ثنائية مع أو ضد السلطة مع أن السلطة ليست جيشاً وشرطة بل عقلية وطريقة حكم وبنية ذهنية مشوهة.
فكرة المراجعة ومحاكم النهج والنقد الجذري للماضي ليست واردة.
انها ايضا تحتاج مؤهلات في زمن تم فيه تسطيح كل شيء: الانسان والطبيعة والافكار.
لهذا السبب فإن دورة انتاج الازمة مستمرة. الحلقة المفرغة نفسها.
قبل أيام قبض على شخص في سوق” الغزل” سوق بيع الطيور والحيوانات في بغداد وهو يحاول أن يبيع باكستانياً : بيع فرد واحد أثار ضجة لكن عملية بيع شعب نهارا جهارا وسرقة ثروته وحياته ومستقبله ظاهرة عادية. هذا هو العقل الرث. هكذا تطبّع العاهات بالتكرار.
وكما يحدث لدى مراسلي الفضائيات، يهرع الخطاب السياسي نحو الانفجارات المرئية والحدث الاخير وخطاب الزعماء قدحا او مدحا، أما نقد الاسس المولدة والحاضنة والمنتجة،
فهو عمل مستبعد يحتاج قدرة الغواص والحفر في الاعماق
في زمن صارت فيه السياسة والعبوة الناسفة وصناعة السلطة والمصير
ليس من اختصاص اهل العلم والمعرفة والضمير بل من اختصاص القتلة واللصوص وعروض الاغراء والاستعراض.
كيف يمكن للعقل نقد ذاته بذاته اذا كان فارغاً من الداخل؟ كيف يمكن النظر في مرايا مشوهة ورؤية الصورة الحقيقية؟
يحدث في افلام وثائقية ان الحيوانات تتصارع مع صورها في المرايا،
والسبب هو ذاته: لا تمتلك صورة ذاتية عن نفسها، لذلك تتجه للخارج وليس العكس في اختراع العدو.