كتاب وشعراء

تكذب بلطفٍ…..بقلم رشا هشام

أوّل أداةٍ عرفت أنها تكذب بلطفٍ
كانت الممحاة
تقنعك أنَّ الخطأ يمحى
وتخفي عنك أنَّ الورقة تتذكّر
أنا معلمة لغةٍ تصحِح كراريس
الآخرين طوال النهار
وتحتاج ، كلَ مساء
إلى من يصحِح كرّاستها هي
لكنَّ أحدًا لا يبيع ممحاةً للأعمار
يبيعونها للحروف فقط
وكأنَّ العمر لا يخطئ إملائيًّا أيضًا
كم مرةً وضعتُ خطًّا أحمر تحت خطأ تلميذٍ
بثقةِ من لم تخطئ في حياتها قطّ
وفي جيبي ، خطأٌ لم يجفَ حبره منذ سنوات
لأنَّ المعلمة _يا سادة_ لا تصحِح إلا الدفاتر
أما القلب فمادةٌ غير مقرَرة
يقولون : (امحِ الماضي وابدأ من جديد)
كأنَّ الماضي سطرٌ بقلم رصاص
وكأنني لم أكتبه بقلمٍ جافٍّ
وضغطٍ شديد
ودموعٍ لا تمحى مهما حكّكتها
الممحاة _في الحقيقة_ متحذلقةٌ صغيرة
تأخذ من الورقة أكثر مما تعطي
تمحو الحرف ، وتترك أثره
كندبةٍ تصرُ أن تبقى شاهدةً
على معركةٍ انتهت لصالح لا أحد
وأنا التي أعلِم الطلاب أنَّ لكلّ خطأ تصحيحًا
أعرف جيدًا أنَّ بعض الأخطاء لا تصحَح
بعضها يدرَس فقط
يشرح على السبورة
ويترك للطلاب ليتعلموا كيف لا يكررونه
فلتذهب المِمْحاة إلى الجحيم بلطفٍ
أنا لا أريد أن أمحو أخطائي
أريد أن أعربها
أن أضع تحتها خطًّا
وأكتب على الهامش :
(هذا فاعلٌ ، وهذا خطأٌ شائع ، وهذه أنا
في حالة رفعٍ دائم رغم كل الكسرات )
البداية الجديدة ، كما يسمُّونها
ليست ورقةً بيضاء
هي ورقةٌ مليئة بالمحو
وبقايا حبرٍ يرفض أن يزول
وأنا ..
في نهاية المطاف
لستُ ممحاةً
أنا مسوّدةٌ
تعاد كتابتها كلّ يوم
بخطّ يدٍ أجمل قليلًا
وأخطاء أقلّ فداحة !

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى