رؤي ومقالات

حمزخ الحسن :”الدولة المخصيه

أكد مصدر مسؤول في قناة العراقية الحكومية ومن مصادر عدة أمنية وطبية تؤكد انتشار تجارة غريبة في العراق: تجارة بيع الخصيتين.
تقول المصادر الحكومية إن الأجهزة الأمنية تلاحق هؤلاء وهذه التجارة منتشرة بصورة خاصة في أربيل وفي غيرها.
المفارقة أن القوى الأمنية تطارد هؤلاء مع ان وظيفة ودور الاجهزة الأمنية هو الخصاء العقلي Castration Mintel وهو الأخطر من العضوي لأن العقلي هو عقم فكري ونفسي وغياب أي مساحات للمرونة
والاحتمال وذهنية الأبيض والأسود وباقي الثنائيات،
وجنون الارتياب والخوف من المداهمة أو الاعتقال الكيفي دون أن يدري المواطن المخصي عقلياً في قبضة أي جهاز وقع وتابع لمن ومن يعذبه مع ان التعذيب في السجون اليوم سلوك نمطي شائع لان الضحية المتسيدة المتسلطة تحاول تقليد جلادها الاصلي بطرق أكثر خساسة منه كتعويض وانتقام عن عارها القديم مع ان التعويض والانتقام الحقيقي في بناء العدالة.
الخصاء العقلي Castration Mintel هو مفهوم في علم الاجتماع يشمل الرجل والمرأة، وكما هناك الرجل المخصي هناك المرأة المخصية التي تستعمل معايير الذكور في كل تفاصيل الحياة، لذلك يُربى العربي من ذكرين في الحقيقة ـــــ أمهات هن ذكور في العقلية.
يتربى من الطرفين على المراجل والخشونة والجلافة وعلى ان يكون ذئبا او تفترسه الكلاب ويتربى من الطرفين على ان الرقة واللطف والحساسية والرهافة والحنان من علامات الانوثة مع انها مصدر الابداع العلمي والفكري والادبي والثقافي وجوهر الانسان وعنصر الحداثة .
في أزمنة حرجة يعاني كثيرون من الخصاء العقلي دون أن يظهر للسطح، لأنه ظاهرة نفسية وعقلية خفية يعاني منها الجميع ومن اعراضه انعدام المرونة والتفكير من خلال قوالب جاهزة وتحيزات وذهنية الابيض والاسود والاجترار والتكرار والتصلب والحرن او العناد حتى امام حقائق واضحة.
في مجتمع مغلق لا تناقش هذه القضايا الكبيرة لان الحديث يجري في السياسة ولغة السياسة تحلل كل شيء دون ان تحلل شيئاً.
كيف لدولة تطارد وتحاسب من يبيع خصيتيه بعد أن فتش في أثاث منزله وفي جسده وفي جيوبه وفي ورثة أجداده، ثم فطن أن شيئاً عاطلاً عن العمل والفاعلية يمكن أن يكون مفيداً بسعر سبعة وثمانين ألف دولار حسب المصدر المسؤول،
أليس هذا ما أوصلت المواطن اليه، النظريات الثورية والعقائد الحارة ولعنة النفط والشركات والمافيات والعصابات، الى هذا الحال المزري،
في حين لا يساوي سعر المواطن دولاراً واحداً في سوق الغزل أو رصيف الملابس المستهلكة في الباب الشرقي ولا يتذكره أحد إلا عندما يُقتل تحت التعذيب مع انه يُقتل كل يوم وساعة بطرق مختلفة نفسية وجسدية؟
كيف لهذه السلطة الحق في الحساب وهي باعت البلاد والعباد وحتى ثروة أجيال وتركت هذا المواطن وغيره يبيع لحمه ويبيع شرفه ــ ها، ويبيع السلالة لانه يعرف انه يعيش في بلاد بلا مستقبل ولا حاجة للانجاب في دولة مخصية؟
اذا كانت الخصية رمز الخصوبة والسلالية والاستمرارية فهذه السلطة رمز العقم والجفاف وانقطاع الأمل، ولم تترك لهذا المواطن شيئاً من ثروته غير أن يقتطع جزءاً من جسده لكي يبيعه.
في الجانب الآخر من هو سيئ الحظ من سيزرع فيه هذا العضو الهارب من العراق ويتوقع أن ينتج شيئاً مثمراً اذا كان صاحبه قد تخلى عنه بلا رجعة وهو يحمل كل كوارث التاريخ دون ان يدري انه سيزرع قنبلة فتاكة في جسده؟
ماذا تنتج السلطة المخصية غير مخصيين بنوعي الخصاء العقلي والعضوي؟ هل نحن بحاجة الى نوع جديد من الخصيان وعندنا من قبل خصيان في السياسة والثقافة والأدب والنقد والفكر والابحاث والاحزاب،
وخصيان الزعماء الذين كل خطبة منهم لا تقتل شهوة الحياة فحسب،
بل تصيب قارة من الرجال بكل أنواع العقم والانطفاء والجفاف العقلي؟
ظاهرة الخصاء قديمة في التاريخ كعقاب وممارسة مألوفة للعبيد،
لكن عملية البيع الطوعي جديدة على مجتمعنا: على المستوى الأعمق ما دام الخصاء العضوي الفردي يلحق ضرراً بالفرد نفسه وبالشريك،
ولا يظهر للخارج ومن دون أضرار إجتماعية أو سياسية، لأن هذا المواطن نفسه هامشي ومعطوب ومحطم، وسواء كان مخصياً عضوياً أم عقلياً،
فهو خارج التاريخ والفاعلية والإنتاج وخارج ذاته ومنفي في جسده ووطنه،
فكيف نفسر هذا العقم العام في غياب العدالة والاستقلالية والسيادة
والأمن والثروة والأمل والمستقبل؟
كيف لدولة مخصية تطارد مخصييها؟ من هو المخصي عملياً بأضرار مالية واجتماعية وسياسية واقتصادية ونفسية: المواطن اليائس الذي يبيع هذا العضو الفائض عن الحاجة؟
أم النظام السياسي المخصي المرتهن سبب كل العاهات والرذائل الاخلاقية؟
في دولة مريضة ومجتمع مريض يصبح السلوك الطبيعي مرضاً ويتحول هدوء الاشخاص الى تهديد للحشود ويصبح الصمت والعزلة والحياة خارج القطيع لغزاً. كل شيء يفسر بالمقلوب.
العربي بصورة عامة لا يعتبر فقدان الأمل والعدالة والمستقبل المجهول والضجيج والاكاذيب وانطفاء شهية الحياة نوعا من التعذيب الجسدي والنفسي الذي يطفئ قوة التألق والبصيرة العميقة لانه تربى على التعذيب الفج المباشرة مع ان نظرة تهديد تعتبر اساءة صامتة وأي تلاعب واستغلال يعتبر عدواناً.
الأحق في الخصاء العضوي هو السياسي اللص لقطع جذور هذه السلالة المشوهة كما شرعت بعض الدول الخصاء الكيميائي كاندونيسيا والدنمارك وحاليا يناقش في السويد، وكازاخستان وكوريا الجنوبية وبولندا وروسيا وإستونيا وألمانيا وامريكا كعقاب لمرتكبي الجرائم الجنسية والتحرش بالأطفال.
من المفارقات المخزية في دولنا ان يروي المنحرف المعتدي على طفل ” بطولاته” ويتفاخر بين محيط مشابه متشوق وداعم ويصبح الطفل الضحية معارة في مجتمع مقلوب المعايير وهذا التواطؤ الصامت مصدر الجريمة التي تتحول من جريمة فردية الى جريمة اجتماعية.
عام 1813 تحت حكم سلالة تشينغ في الصين، إنتفض الخصيان وأسقطوا إمبراطورية جائرة، فهل يفعلها خصيان العراق عضوياً وعقلياً، في تحالف مشترك وهم الأكثرية الساحقة في معركة مع السلطة والمجتمع؟
المستلب المتشيء reification ـــ المتحول الى شيء كأثاث المنزل ـــ ذكراً كان أم أنثى يجرد من هويته كمواطن وانسانيته وشخصيته ويُلحق بعالم الاشياء وتفرض عليه شخصية عكس طبيعته وهو أقسى أنواع العذاب أن يعيش الفرد بشخصية مصطنعة حيث يفقد التوازن والانسجام الداخلي وتصرخ ذاته وجسده كل لحظة:
إما ينهار أو يُدجن ويتحطم ويفلسف سقوطه: هو الاغتيال بل الاعدام اليومي الصامت. اذا كان الحجاب علامة الحريم،
فالحجاب ليس قطعة قماش فحسب بل بنية عقلية متخلفة تحجب الحقائق،
وعندما تحجب السلطة الحياة الحقيقية من الرجال والنساء، يكون مكان الحريم قد أنتهك، ولا يعود مكان الحريم خاصاً بالنساء،
ولا تعود الصفات الذكورية علامة الرجولة الوحيدة التي تحددها الفاعلية
والمعاني والانتاج لأن هذه العلامات متوفرة في ذكور الحيوانات ولا الشوارب لانها موجودة على شفاه القطط والثيران وغيرهما،
بل الرجولة موقف.
في الدول والمجتمعات الشمولية القمعية يصاب الرجال والنساء بما يعرف
بالخصاء العقلي Castration Mintel أو العقم عن التفكير والاكتفاء بالإجترار وتنعدم المرونة وتهيمن المواقف القطعية الحادة والابيض والاسود ولا مساحات رمادية ولا مناطق تفكير أخرى ولا حلول مختفية ولا رؤية ومعايير مضادة،
وتسيطر القوالب والافكار النمطية والعجز الفعلي عن اثبات الذات
إلا من خلال الاستعراض والتبجح وفقدان القدرة على الربط بين الظواهر ويلجأ المخصي ــ ية للربط السحري بين ظواهر مختلفة
وغالبا المخصي عقليا ما يعجز عن العثور على حلول منطقية للمشاكل والظواهر،
ويقع في” الحشرية العمياء” أي الرؤية من خلال العطب.
إن التدجين والاستلاب والظلم والخصاء العقلي خاصية عامة تصيب الرجال والنساء، ويتم تحويل الجميع الى أدوات وهوامش وتاسيس المجتمع المخصي المعطوب والمشوه،
وكما يحدث في أقفاص القرود يبحث القرد الكبير عن ضحايا لتأكيد سيطرته
في القفص من خلال التنكيل بالقرود الصغيرة أو الضعيفة وهو ما لاحظه المفكر والروائي والطبيب النفسي فرانز فانون في أقفاص القرود كتجسيد للعلاقات بين الضحايا في البحث عن السيطرة على ضحية ضعيفة للتعويض عن ذل وعجز وعار داخلي.
شاهد فانون أن القرد الضعيف يستدير بمؤخرته نحو القرد المتسيد من شدة الخوف وعلامة طاعة واستسلام، كذلك يقوم الرجل المخصي عقليا،
لاثبات سلطته على النساء والأطفال في المنزل وتحويله الى قفص لممارسة سلطته للتنفيس والتعويض عن خصاه وبؤسه وعطبه البشري،
ويقلب ويشوه هوية المحيطين به لتنسجم مع تشوهه بإسم قيم وتقاليد،
وهو أقذر سلوك إنتقائي بشري تمارسه ضحية ضد ضحايا عُزّل وعاجز كلياً عن الربط بين خصاه العقلي وبين ما يحدثه من أضرار فادحة في المرأة المخصية The Female Eunuch.
المفارقة أن هذا الرجل المخصي يبحث عن الحرية والعدالة والديمقراطية
وهو في الوقت نفسه مجسم حقيقي لسلطة قمعية ويمارس كل أنواع التنكيل في المنزل تاركا خلفه ضحاياه في سجن يسمى بالمنزل ونازل للشارع يهتف للديمقراطية ويريد اسقاط النظام لذي هو صورته وركيزته وأساسه

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى