رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :مصيدة السمعة الطيبة

السمعة الطيبة في السياسة وفي المجتمع وفي التجارة وحتى في الغرام وفي الصناعة وفي البرلمان وفي الثقافة درع حصين لحماية الفاسدين وهذا الاسترخاء الاخلاقي للفاسد المتظاهر بالامانة والشرف والاخلاق وغالبا ما يكثر الحديث عنها لان الانسان يبحث عما يفتقده، ويحارب تحتها كعناوين، يعطيه رصيداً كبيراً عند الانكشاف لأن الناس لا تبحث عن الحقيقة في الحاضر لأن البحث متعب بل تذهب الى ماضي الشخص الذي أثث صورة مزيفة لنفسه قائمة على نزاهة أخلاقية وهمية وهذا هو العمى الاجتماعي الذي يصيب الناس بسبب تكرار الظاهرة والاجماع الزائف حولها.
وفي مجتمع لا يحاسب على أفعال ملموسة بل على أقوال ومرويات متناقلة شفوية، يتحول ” دخان السمعة” الى مصيدة للجميع.
يقول روبرت غرين في كتابه الشهير”كيف تمسك زمام القوة. القانون الخامس.” ( السمعة هي حجر أساس السلطة وعن طريق السمعة تستطيع أن ترهب. السمعة سوف تحميك.
عليك أن تسعى لترسيخ سمعة تقوم على خصلة بارزة لديك كالكرم أو الأمانة أو الذكاء أو المكر، حتى لو كنت عكس ذلك لأن الناس لا تبحث عن الدوافع لان البحث متعب بل ترى المظاهر،
وسوف تميزك هذه الخصلة وتجعل الناس يتحدثون عنك، توفر لك السمعة الطيبة الكثير،ثم تأملها وهي تنتشر كالنار بين الهشيم. السمعة تضع حولك هالة تكسبك الاحترام والهيبة . السمعة الطيبة أكبر مصدر للفساد لانها دخان يعمي الاخرين من رؤية الحقيقة ) .
في مجتمع يقوم على السمعة والخلفية العائلية والصيت وليست الكفاءة والنزاهة والقدرة والموهبة كما في الدول الديمقراطية، تتحول السمعة الطيبة للأصل والأسرة الى سلاح خطير لكل ما هو لا أخلاقي .
لأن السمعة تعمل ما تعمله قنابل الدخان عند انسحاب الجيش من المعركة كغطاء للتخفي، وليس من المستغرب ان يلجأ اللص والفاسد او الفاسدة الى الاستعانة بتراث العائلة لمواجهة جريمته كسلاح وتحويل الجريمة الشخصية الى قصة تصفية حساب سياسية او شخصية اخلاقية لحشد الغوغاء والاتباع، مع أن سمعة الأهل والأجداد تنتهي بهؤلاء الأنذال وتتحول السمعة الطيبة المتوارثة الى قلادة ذهب على رقبة كلب. السمعة خلق وابداع ولا تتوارث.
هؤلاء سيرثون الابناء سمعة قذرة يوما مهما طال الزمن ووصمة عار.
في مجتمعنا ترسخ الصورة الاولى عن الرجل والمرأة ، عن الأسرة والأجداد،
ومن كان جده أو أسرته بسمعة طيبة فرضتها ظروف غير مستحقة،
يبقون في نظر الناس ” أبناء الطيب” حتى لو تحولت المرأة الى فاجرة وتحول الرجل الى أكبر لص في البلد،
وعلى عكس ذلك لو كانت المرأة والرجل من أسرة فقيرة، من باعة جوالين أو حرفيين بسطاء ،
وصاروا علماء وخبراء ومثقفين كباراً نبلاء،
يبقون في نظر العامة أبناء بياع الزوري والشلغم والراعي وبائع الحليب واولاد الحايك والعتال والحدائقي والبائع الجوال والخ وتتحول هفواتهم او الاخطاء الانسانية في تشابك ظروف معقدة الى جرائم في حين تتحول جرائم اولاد الشيخ والمقاول والثري الى هفوات،
لأن الناس لا تحب تغيير قناعات عاشت عليها حتى مع اكتشاف حقائق جديدة، لأن التغيير مقلق ومزعج والتعايش مع أوهام مستقرة والبقاء في منطقة الامان أفضل للطمأنينة الزائفة من قبول حقائق جديدة مقلقة وهي ميزة كل الحيوانات التي تجفل من أي تغيير في المكان.
هذه صفات المجتمع الراكد الاجتراري الراكض نحو هلاكه ولو عدنا كمثال من عالم السياسة لوجدنا ان جميع رؤساء الوزراء في العراق وأكثرهم حقارة ومكراً وكذبا السوداني أفرطوا في الحديث عن النزاهة بل اخترع السوداني قصة مزيفة لتاريخ عائلي نضالي ومع الوقت اكتشف الناس انه اللص الأكبر الذي أفرع المال العام مع الأهل والأقارب تحت دخان النزاهة وعلى شعب يعشق المظاهر في كل شيء وشعاره:
” شيمه وخذ عباءته”.، أي امدحه وارفع من شأنه وإسرقه وهو سعيد بذلك لأنه وقع في فخ الصورة المثالية.
في مجتمع الأقنعة يكون الشريف والبرئ والنظيف فيه هو المريض الوحيد في نظر الغوغاء “لأن المجتمع المريض لا يتساهل مع الأصحاء” بتعبير إريك فروم عالم النفس مؤلف”الخوف من الحرية”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى