رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :الإعتقال الخفي

ــــــ ما هي الأزمة؟ إنها تنامي الفوضى وغياب اليقين ضمن نظام ما * أدغار موران، كتاب: في مفهوم الأزمة.
السلطة لا تتموضع في مكان أو مؤسسة سياسية كما سطّح الخطاب السياسي عقول الناس حتى اليوم، السلطة علاقات مجهرية وعلاقات الناس مع بعضهم وعلاقتهم بالتاريخ، كيف يرونه، وشبكة معقدة من المعتقدات،
ولو تغير النظام السياسي، فلن تتغير بنيته التحتية أو روافده وشبكة علاقاته الاجتماعية ، لذلك تتكرر دورة انتاج النظم الدكتاتورية لان السلطة الاجتماعية المنتجة لها مستمرة.
الثقافة السياسية السائدة تختزل السلطة بالحكومة وتتجاهل روافدها الكثيرة الصغير كالأسرة والمدرسة والنادي والأصدقاء والمؤسسات والاعلام والاحزاب والتراث والتاريخ وغيرها تصب في صناعة السلطة السياسية.
كل النظم الدكتاتورية تقوم على سلطة الرمز ، صورا، وشعارات، وخطابات، وتماثيل ويجري عادة صناعة تاريخ له كما لو جاء حاملاً النور الى الظلام: في الادبيات النازية هكذا تم وصف هتلر كما تم وصف صدام حسين في كتب كثيرة .
تقوم سلطة الرمز على الهيمنة على الاتباع من خلال الطقوس، عبر شبكة دقيقة ومعقدة من العلاقات، وأول مستهدف في هذه الهيمنة التي تأخذ طابعاً خفياً،
هو الجسد والمشاعر، أو الكارزما بلا أي اهتمام ببرنامج الرمز للمستقبل ، كما لو ان علاقة الجمهور بالرمز علاقة غرام وليس بناء دولة عادلة،
حتى أن جمهور الأتباع يفقد التحكم بنفسه لدى رؤية الرمز، وهو غير معني بخطابه السياسي الانشائي الباهت.
أعاد لنا صدام حسين نبوخذ نصر ثم تحولت بابل الى مركز نفايات للقوات الاسبانية والايطالية والامريكية كما في النبوءة التوراتية في ان المسيح سيظهر بعد خراب بابل لكن ظهر لهم اتباع الامام المهدي بدل مسيح البنتاغون لأن الاصولية تنتج نقيضها.
الرمز نفسه هندس العلاقة على أساس عنف المشاعر والحنين للماضي
والذكريات وبنى سلطته على هذا الاساس للهروب من رهانات وتحديات الحاضر.
يخطيء من يظن أو يعتقد أن الرمز يمارس عنفه ضد الخصوم والأعداء من خلال التكرار في الظهور والخطابات والقرارات وحتى الاغاني عنف وعدوان صامت، فحسب، بل العنف الأشد الذي يمارسه الرمز هو ضد المريدين والأتباع،
وهو عنف مخفي لأنه يمر بشبكة معقدة من العلاقات العاطفية والنفسية،
غير عقلانية بل هي في الأساس علاقة إخضاع لأنها تقوم على مبدأ التنازل والارتهان للرمز،
وعندما يسلم المريد نفسه الى الرمز يتنازل عن حريته وهذا شكل آخر خفي من العنف خلف قناع التضحية.
عنف الرمز ضد الأتباع عندما يتحول الولاء العقلاني الى ولاء عاطفي بلا تفكير بل خضوع تام،
عندما يجردهم من السؤال لأن الأجوبة جاهزة،
عندما ينزع هؤلاء كل ما يتعلق بكيانهم الانساني والتبرع به للرمز،
واخر ما يخطر ببال التابع هو الحرية او الديمقراطية لكنه يبحث عن الشفاعة من خلال الرمز،
يريد الغفران لانه مستودع خطايا أكثر من الحرية لكنه يسلك الطريق الخطأ ولن يحصل على شيء.
التابع ملقن من الشيخ او الرفيق او الزعيم السياسي على ان المختلف جرح او اهانة او وجع جسدي او نقص او عورة وهو الكمال المطلق و يجب ان يستأصل تحت عنوان ما لتبرير المحو والعنف المادي والاخلاقي. العنف بكل انواعه لا يمشي بلا عنوان ولغة تبرره.
هناك خطأ شائع هو الآخر في الإعتقاد أن سلطة الرمز تتمحور في مكان واحد، وهذا غير صحيح حسب الفيلسوف بيير بورديو في كتابه:” الرمز والسلطة” بل هي شبكة علاقات نفسية وروحية واجتماعية،
وفي غالب الأحيان يكره الرمز كل ما له علاقة بالعلم والفكر والثقافة،
لأن هذه تشكل التهديد الأعمق والأخطر لهيمنته، وهو قادر على مواجهة وسحق الأعداء بالاتباع،
لكنه عاجز عجزا معرفياً عن مواجهة العلم والفكر والثقافة،
لذلك يدفع بهم للطقوسية وهي سلسلة طقوس وحفلات ومواسم نصر أو موت بل هزائم واعياد ميلاده وسجنه وهروبه لكي يصبح التاريخ هو كما هو الحاضر والمستقبل. تكرار الصور والطقوس لكي يشعر المواطن بأبدية السلطة وانها تحتل الأمكنة كما الأزمنة.
تبدو الطقوس سواء في أحزاب اليسار أو اليمين كما تسمى ــــــــــ هم في الحقيقة حزب واحد ــــــــــــ كأهداف وقيم في الظاهر تشد الأنصار للرمز،
ومنها الماضي والحنين وحفلات المراثي ومواقف التأبين البطولية،
أي كل ما يجعل صلتهم بالحاضر ضعيفة و هشة، وكل ما يجعلهم في حالة غيبوبة،
وهذا شكل من أشكال العنف عندما تأخذ هؤلاء خارج الواقع وخارج الزمن
وخارج أجسادهم.
لكن عدم الاستبصار هذا لن يستمر لأن الأسس التي يستند عليها الرمز ليست راسخة بما يكفي،
ومن الصعب جدا قبول فكرة ان سلطة رمزية تريد الديمقراطية، لأن الرمزية والديمقراطية أمران متناقضان. الرمز تفرد .
علاقة الاتباع بالماضي ليست كعلاقة الآباء والأجداد به بل علاقة تخيلية، وعلى الرمز أن يكافح كل لحظة لكي يبقى حياً، وأن يبقي جذوة الحنين للماضي مشتعلة،
لأن على الطرف الآخر من المواجهة أعداء يحاربون أيضاً بإسم الرموز،
وفي حالات أو مصادفات غريبة قد تكون الرموز نفسها على طرفي الصراع.
سلطة الرمز ليست أبدية وتتقوض في أية لحظة، لأنها جاءت في زمن تهب فيه رياح التغيير والمعرفة من كل مكان، ولم يعد القصر والحرس الرئاسي أو الصومعة مكان اللقاء،
في فضاء معرفي مفتوح يطرق بعنف على سلطة الرمز بقوة رغم كل محاولاته جرهم للماضي وطقوسه وحفلاته.
لا تستطيع اية سلطة عدوانية ان تحكم بالجيوش والاجهزة الامنية والقوة والسجون، لذلك تلجأ للــــ” الاعتقال الخفي” أو” الترويض الناعم” بلغة علم الاجتماع من خلال منظومة طقوس وحفلات وخلق مناسبات ومؤلفات واغاني ومظاهرات الولاء تجمع الحشود وتخلق بينها روابط بهذه الطرق الالتفافية،
لكن روابط الحشود سرعان ما تتلاشى في احداث جديدة عاصفة وهذا هو كل تاريخنا الذي لم نتعلم منه

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى