رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :في مديح التفاصيل

ـــــــــــــــــ” إنني من أكثر الناس صعوبة، لأنني ممن يهتمون بالأشياء البسيطة، وتسعدهم التفاصيل الصغيرة، ولا أحد يهتم لمثل هذه الأشيا” *دوستويفسكي.
بعض الاشخاص عندما يقف في مواجهة شيء مفرط الجمال، رضيع نائم يحلم، ساحل في غروب رماني متوهج،
وجه بري نافر، لوحة مشرقة، حديقة منعزلة، ضوء متوهج ينعكس على جدار متهدم منسي، دراجة هوائية قديمة تحت المطر، مظلة مطرية محطمة فوق محل نفايات، حقيبة يد نسائية قديمة على رصيف، آنية زهور مرمية في طريق،
عشب في حفرة مهملة، عش صغير في ثقب حائط، دمية تحت المطر في حديقة، عصافير تتشاكس في بركة ماء في ظهيرة قائظة،
تنتابه رغبة في الفرح وفي حالات البكاء، أو الخرس التام ، الخرس الذي الذي يجعلك ترى وتفكر بأحاسيسك.
الجمال البري لا يُرى بالعقل بل الحواس ولو غابت فلا شيء يرى.
الجمال في الأحاسيس قبل الأشياء، كيف تستطيع مرايا محطمة أن ترى ضوء الوجه الباهر؟ وكيف ترى الذات المهشمة النور السري خلف مظاهر الاشياء والوجوه؟ وكيف ترى النظارات المغبرة الحقول المزهرة؟
في حالات وأنت تتجاوز شارعاً في منطقة العبور، ترتطم بوجه لا تعرف من هو مر جنبك كنيزك مشع أو عاصفة أجراس سرية تقرع فيك،
كلطمة على الوجه مفاجأة،
وخلال هذا المرور الخاطف تشعر أنك تنمو وتشرق وتتفتح، كما لو ان مصيرك تغير خلال هذا المرور الخاطف البري. يقول علماء تشريح الدماغ ان في الجسد جهاز استشعار يرسل اشارات فورية للاخر وتكون النتيجة إما الشعور بالتهديد والنفور دون وضوح الأسباب أو الشعور بالإلفة. تعمل هذه المنظومة الفسيولوجية على رصد المخاطر وإرسال إشارات طوارئ للجسم لكن قلة من الناس من يصغي لرسائل الجسد التي تعمل كجهاز انذار داخلي.
عادة تنبثق الأشياء الجميلة من اللامتوقع، من مصادفة، من عثرة رصيف،
وفي حالات من حماقة بسيطة فتتعرف بعدها على أجمل ما في الكون من لطف يتجاوز الجمال،
لأن اللطف جمال أبدي في حين الجمال الشكلي زائل. كل لطيف جميل لكن ليس كل جميل لطيفاً.
“حتى الفضيلة تحتاج الى اللطف وإلا فستكون عجرفة.* كازنتزاكي.
لكن اللطف كباقة أزهار من الخطأ الفادح أن تضعها على رقبة جلف أو خنزير كما لو تضع باقة زهور في مرحاض لأن نظام التصفية والتفسير مشوه ويترجم كل شيء حتى أنبل الأقوال والأفعال بالمقلوب ومن منطقة العطب وسينتهز الفرصة للاساءة لك للتنفيس من عقدة الدونية ولان الاحترام يصيبه بالغرور وفقدان التوازن ، وقديما قال العرب:” لا تؤانس الذليل” ولا تمازجه لأنه يخاف ولا يحترم.
الكتابة والجلافة أمران متناقضان لأن نظام الكتابة هو نظام الرهافة والحساسية والبساطة، والجلافة حجاب وعمى،
فكيف يمكن أن يتأثر الكاتب بمرور النسيم، والاحاسيس، وقراءة أوجاع القلب الانساني السرية،
ومشاعر التضامن مع الناس، اذا كان وعيه مكسواً بكل أنواع الدروع السميكة، وكل أنواع الفظاظة؟
بعض وجوه المشردين الشاحبة والمنهكة تشعرك انك أمام ملاك أو قديس وبعض الوجوه المترفة المترهلة المتغطرسة تشعرك برسالة من الداخل بالنفور أو التهديد. رسائل الجسد لا تكذب مطلقاً والانسان يتلقى ألاف الرسائل من داخله كل يوم تُهمل غالباً.
في حالات تربطك مصادفات وظروف وحماقات وبراءات مع بشر لوقت طويل، فتشعر أن حجمك يتضاءل، روحك تنطفئ، وهجك يخبو، ورسائل تهديد تأتي من أعماقك تنذر بوجود خطر وشيك نتحاشاها مع ان الجسد محاط بشبكة حماية من الأخطار يمكن رؤيتها بالعين المجردة في وضعية جلوس خاصة تحت الشمس سترى هالة ضوئية باهرة أو بالمجاهر الطبية تسمى في الثقافات الآسيويةChakras الشاكرا وفي العلم الحديث مراكز طاقة الحياة تساعد على التوازن والانسجام والحمايةمن سبع طبقات.
في حضور معتم، تنطفئ بصمت كشمعة في الظلام ، كعود بخور يحترق منكسراً قرب نفاية.
أمام جمال الكائنات البرية تشم رائحة عطر أبدي ، وتنبثق فيك أحاسيس جديدة كأصابع طفل على وجهك،
وأمام صنف آخر لا تشم غير رائحة العفن عالقة فيك لوقت طويل.
البشاعة تعدي أيضاً وتحتاج الى ألف قطعة موسيقية والاستحمام في أكثر من بحر والف قنينة عطر ، لكي تنسى :
” من كثرة معاشرة الوحش، رائحته تلتصق، الآن،بجلدك”.
ـــ المقطع الأخير للشاعر والروائي المغربي عبد اللطيف اللعبي: شجون الدار البيضاء. عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى