
كتب:هاني الكنيسي
“الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان” هو نص البند الأول في مذكرة التفاهم MOU التي وقّعها -أمس عن بعد- الرئيسان الأمريكي دونالد ترمب والإيراني مسعود بزشكيان، والتي ستستضيف سويسرا احتفاليتها الرسمي في منتجع ‘بورغنستوك’ Bürgenstock الفاخر الذي تملكه قطر (أبرز الوسطاء)، على ضفاف بحيرة لوسيرن الخلابة، غدا الجمعة.
توصيف لا ينسجم مع طبيعة المشهد الكارثي على الأرض في لبنان، حيث سوّت القذائف والدبابات الإسرائيلية بلدات وقرى الجنوب بالأرض، ولم يتمكن مئات آلاف النازحين من العودة إلى أطلال ديارهم تحت وطأة الإنذارات الإسرائيلية اليومية بالإخلاء وتحت نيران المسيّرات والطائرات التي تجوب أجواء بلادهم ليل نهار.
ومع ذلك، يكاد لا يمر يوم واحد منذ أن عاود الجيش الإسرائيلي اجتياح أراضي لبنان بداية مارس الماضي، دون سقوط قتيل أو جرحى في صفوفه (أحدثها أمس الأربعاء بمقتل عريف وإصابة سبعة بينهم ضابطان كبيران في منطقة نهر الليطاني).
هذه الخسائر -التي تجاوزت 32 قتيلًا و 1300 مصاب وفق الأرقام الإسرائيلية- الفضل فيها لحزب الله الذي يصر النتنياهو على نزع سلاحه قبل أي انسحاب، مكررًا وجنرالاته أن الحزب انتهى “عمليًا” منذ اغتيال زعيمه الأشهر حسن نصر الله في سبتمبر 2024 وما واكبه وتلاه من ضربات مؤلمة لقياداته وكوادره الميدانية ومستودعات سلاحه.
لكن ‘فايننشال تايمز’ ترسم صورة مغايرة: التنظيم لم يتبدد، بل انكفأ ليعيد ترتيب أدواته، ثم عاد إلى المشهد من بوابةٍ أقل صخباً وأكثر إيلاماً.
فتحت عنوان “كيف صنع حزب الله عودته” How Hizbollah made its comeback، يسهب تقرير الصحيفة البريطانية المرموقة في شرح كيف أن هذه “العودة” ليست إلى ما كان عليه الحزب بالكامل، بل إلى آلية عمل سياسي وإعلامي وعسكري جديدة قوامها نبرة خطابية أخفت ونمط قتال يزاوج بين الاستنزاف البطيء والابتكار التكتيكي.
إذ لجأ حزب الله بصورة متزايدة إلى الطائرات المسيّرة المتفجرة، ولا سيما المسيّرات من طراز FPV المستوحاة من الحرب في أوكرانيا، وهي طائرات صغيرة وسريعة ورخيصة نسبياً، لكن فعاليتها عالية في الإرباك والاستهداف الدقيق، موضحًا أن بعض هذه المسيّرات يعمل بألياف ضوئية، ما يجعل تعقّبها أو التشويش عليها أصعب من الوسائل التقليدية التي تعتمد عليها إسرائيل في صدّ الهجمات الجوية.
هذا التحول -بحسب التقرير- أعاد للحزب قدرة على العمل في “المنطقة الأمنية” على الحدود، حيث لا يعود الاشتباك محكوماً فقط بالصواريخ الثقيلة أو بالمعارك المفتوحة، بل بمجال مرن من الضربات الصغيرة، والكمائن التقنية، وهجمات الاستنزاف التي تُبقي قوات الاحتلال الإسرائيلية، المتفوقة عددا وعتادًا، تحت ضغط متواصل.
من التفاصيل اللافتة في تقرير ‘فاينانشال تايمز’، أن الحرب لم تعد تجري فقط في الميدان، بل على الشاشات أيضاً. فالقناة التابعة لحزب الله على منصة ‘تليغرام’ بثت أكثر من 50 مقطعاً لهجمات المسيرات الانتحارية خلال أسبوع واحد في مايو، أي ثلاثة أضعاف ما كانت تنشره في مطلع أبريل، مع “إخراج بصري محسوب وموسيقى درامية وصور تُظهر المسيّرات وهي تقترب من الجنود أو الآليات الإسرائيلية”.
أهمية هذه النقطة أنها تكشف أن الحزب لا يستخدم المسيّرات كأداة عسكرية فقط، بل كرسالة سياسية ووسيلة حرب نفسية، مفادها استعراض قدرات، وبث شك في قدرة الخصم “المغرور” على الرصد والتصدي، وبرهنة على أن الحزب لم يُكسر أو “ينتهي للأبد” كما يزعم الإسرائيليون.
التقرير ينقل أيضاً تبدلاً واضحاً في لغة بعض المسؤولين الإسرائيليين، أو على الأقل في تقديرهم لما بقي لدى الحزب من قدرة. فإحدى العبارات المنقولة عنه تصفه بأنه عاد إلى ما كان عليه: “قوة حرب عصابات تحاول أن تضرب عندما تستطيع”، في إشارة إلى أن الحزب لم يعد يتصرف كجيش نظامي صغير، بل كتنظيم يختار الوقت والمكان، ويعتمد الضربات الخاطفة بدل المواجهات المكشوفة.
لكن ‘فايننشال تايمز’ لا تدّعي أن حزب الله قد تعافى عسكريًا من الضربات الإسرائيلية المتلاحقة والاختراقات الأمنية الصادمة على مدى العامين الأخيرين. إذ تنقل عن خبراء تأكيدهم بأن العديد من المنظومات الحساسة، ولا سيما الدفاع الجوي، بقيت متضررة أو غير قابلة للتعويض. وهذا يعني أن “العودة” المذكورة في العنوان ليست شفاءً كاملا، بل استعادة لقدرات جزئية تسمح بالاستمرار في الميدان، دون الادعاء بأنه خرج من الحرب كما دخلها، من منطلق “التكيّف تحت الضغط” الذي أثبت تلاميذ “المدرسة الإيرانية” نبوغهم في تكتيكاته.
وفي سياق توصيفه للمشهد الأوسع، يخلص التقرير إلى أن “عودة” حزب الله بهذه الصورة تعني أن إسرائيل -رغم تفوقها العسكري والتقني- لم تنجح في إنهاء التهديد، بل ربما دفعت التنظيم “المدعوم إيرانيًا” إلى تطوير أدوات أشد ملاءمة لحرب استنزاف طويلة، ما يضع الشمال الإسرائيلي مرة أخرى في حالة تأهب دائم وعدم أمان، ويقوّض أي مزاعم عن “خروج الحزب من المعادلة”.
ولا يفوت ‘فايننشال تايمز’ الإشارة إلى أن إيران لم تتوقف عن دعم حزب الله بعد تضييق الخناق على خطوط الإمداد السورية (بعد سقوط الأسد)، بل انتقلت إلى شبكة إمداد أكثر تعقيداً تقوم على “تعدد المسارات”.
وهو ما يتسّق ضمنيًا مع ما أفادت به تقارير متواترة مؤخرًا في صحف غربية وعربية، تؤكد في مجملها أن طهران أعادت، خلال الأشهر الماضية، “ترتيب مسالك نقل السلاح والمال”، بحيث تمر عبر العراق وسوريا أحياناً، وعبر المسارات البحرية أحياناً أخرى، بل وعبر رحلات تجارية وشبكات صرافة و”طرف ثالث”، مع اشتداد الرقابة الإسرائيلية والغربية على الأجواء والموانئ اللبنانية.
فيما يتعلق بالمال، ركزت التقارير على أن حزب الله أصبح يعتمد على تحويلات نقدية مباشرة وغير مباشرة من إيران، وعلى وسائل متنوعة تشمل دبلوماسيين، وشركات طيران أجنبية، وشبكات تمويل موازية، فضلًا عن أنشطة اقتصادية سرية ومصادر محلية “غير قانونية”.
وعلى صعيد السلاح، نقل موقع إخباري لبناني (الفاصل) عن مصادر استخباراتية أن “بعض شحنات الأسلحة الإيرانية يتم تفريغها في ميناء بانياس السوري أو في عرض البحر، قبل أن تُنقل بعد ذلك برا إلى حزب الله داخل لبنان”. بينما تحدثت مصادر أخرى عن مسارات بديلة تشمل تهريباً بحرياً عبر البحر الأحمر وقناة السويس وباب المندب، وأحياناً عبر شبكات لوجستية تموّه المصدر والوجهة، واصفةً ذلك بأنها “مرونة في صلب عقيدة الإمداد الإيرانية نفسها: كلما أُغلق باب، فُتح أكثر من نافذة”.
وبناءً على كل ما سبق، يكون السؤال “الواقعي” اليوم في مرحلة ما بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني: كيف ستتعامل المنطقة مع “عودة” حزب الله كلاعب مصاب يرفض الجلوس على مقاعد البدلاء أو الخروج من الملعب؟